قصة الصديق مع مسطح بن أثاثة

حين يقول الله جل وعلا ، ولا تجعلوا الله عُرضة لأيمانكم ، فالعرضة هي الحجاب وهي أيضًا الأمر الصالح لكل شيء ، وكأن الحق سبحانه يقول لنا لا أريد أن تجعلوا اليمين عرضة بين الإنسان وفعل الخير والبر والتقوى ، فإذا ما طلب أحدهم منك أن تبر من أساء إليك ، فقد تقول أنا أقسمت ألا أبر هذا الإنسان ، فأنت بهذا قد جعلت اليمين بالله حائلاً بينك وبين البر .

وتروي قصتنا ، أن عائشة رضى الله عنها زوج النبي صلّ الله عليه وسلم ، كانت قد خرجت مع زوجها في غزوة بني المصطلق ، وكان أمر الله بالحجاب قد نزل ، فانطلقت معهم السيدة عائشة في هودج .

وذهب الرسول عليه الصلاة والسلام في غزوته ثم عاد ، وكانت عائشة رضي الله عنها قد فقدت عقدًا لها ، وكانت آنذاك خفيفة الوزن فانطلقت تبحث عن عقدها المفقود ، وعندما تحرك جيش رسل الله عليه أفضل الصلاة والسلام ، لم يفطنوا إلى أن عائشة ليست بالهودج نظرًا لخفة وزنها ، وحينما وجدت عائشة عقدها جلست تنتظر عودة الجيش ، ظانة أنهم سوف يفتقدونها فيعودوا أدراجهم يحملونها معهم مرة أخرى .

وكان خلف الجيش صفوان بن المعطل السلمي فعرفها وعادت معه إلى المدينة ممتطية راحلته ، ودار حديث الإفك آنذاك بواسطة عبدالله بن أبي بن سلول رأس النفاق ، وأصاب السيدة عائشة رضي الله عنها ، الحزن والغم لما دار من حديث بشأنها إلى أن برّءها المولى عزوجل ، وذاع ما ذاع عن أم المؤمنين عائشة وهي زوج النبي عليه الصلاة والسلام ، وابنة أبي بكر الصديق ، ولو أن ما حدث كان مع امرأة أخرى غير عائشة لم يكن موقف أبي بكر الصديق نفس موقفه .

فقد جاءه مسطح بن أثاثة مشاركًا في حديث الإفك مع من اشتركوا في ذلك ، إلى أن برّءها الله تعالى في كتابه الكريم ، فقال أبو بكر حالفًا ، والله لن أنفق عليه أبدًا ؛ حيث كان أبو بكر ينفق على مسطح لأنه من المهاجرين ، وبسؤاله عن السبب قال أن مسطح قد اشترك في حديث الإفك.

لذلك سيمتنع أبو بكر عن الإنفاق على مسطح ، ولكن بالنظر إلى مقاييس الجمال والكمال والفضائل عند المولى عزوجل ، نجد أن الله قد قال في كتابه الكريم ؛ { وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ} سورة النور الآية 22

أي إذا كنت تحب أن يغفر الله لك ، أفلا تغفر لمن فعل السيئة معك ؟ وما دمت تريد أن يغفر الله لك فاغفر للناس أخطائهم ، قالها المولى عز وجل لأبي بكر ، الذي اتخذ موقفًا من رجل خاض في الإفك مع من خاضوا ومع ذلك يبلغه أن ذلك لا يصح.

وهذا الأمر يرتبط بقوله الكريم ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبرّوا ، فلا تقل أني حلفت بالله على ألا أفعل ذلك الخير ، لا افعله ، فالله سبحانه وتعالى يرضى لك أن تحنث وتُكفّر عن يمينك هذا .

ويقول الحديث أنه من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليأت الذي هو خير وليكفّر عن يمينه ، وبهذا يحمي الله سبحانه وتعالى فعل البر والتقوى وعمليات الإصلاح بين الناس ، ولو كنت قد حلفت بالله ألا تفعلها ، لماذا ؟ لأنك عندما تحلف بالله بأنك لن تفعل خيرًا ما ، فقد ناقضت التشريع بحلفك هذا ، لأن الله هو الآمر بالبر والإصلاح والتقوى ، فلا تجعل يمين البشر مانعًا لتنفيذ منهج رب العالمين.

قصص مميزة:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *