قصة رمز الثعبان في الحضارات القديمة

اعتقدت العديد من الحضارات القديمة أن الأفاعي رمزًا للقوة والدهاء ، والأخرى اعتقدت أنها رمزًا للحماية والتصدي للشر والداء ، نظرًا لقدرتها على التأقلم وتغيير الجلد ،  في لحظات الخطر وعند المهاجمة مع الخصوم ، ومع التطوّر الحضاري صارت الأفاعي رمزًا للشرور والخبث ، ولعل هذا الاختلاف بين الحضارات القديمة والحديثة ، يعود إلى الفترات التي كانت تُقدَس بها تلك الكائنات الزاحفة .

في حضارة مصر القديمة :
قدّس القدماء المصريون الأفاعي كثيرًا ، واعتقدوا بأن لها دورًا إيجابيًا تجسّد في هيئة الإله واجت ، والذي تم تقديمه في النقوش الجدارية على هيئة ثعبان الكوبرا ، والذي يعمل على حمايتهم حيث يعمل على حماية المعابد ، والنساء وقت الولادة ، ويحمي الملوك من الشر .

وكانت مكانة تلك الإلهه التي تعمل على الحماية عالية للغاية حيث تم تجسيدها على هيئة امرأة برؤوس ثعابين ، أو العكس ثعبان برأس امرأة ، وأشهر أسمائها كان عين حورس وعين رع ، وكثيرًا ما ارتدى ملوك مصر القديمة تيجان على مقدمتها ثعبان الكوبرا الشهير ، حتى يحمي الملك ويدافع عنه ويقيه الشر .

في الحضارة الهندية :
بينما الثعبان في الثقافة الهندية والديانة الهندوسية تحديدًا ، لا يلجأ إلى العنف إلا بعد إساءة معاملته ، ويلقّب الثعبان في الثقافة الهندية باسم ناجا ، وتعد روح الثعبان في الهند روحًا طيبة وتحب الطبيعة والخير ، كما أنها تعمل على حماية ينابيع المياه والآبار ، وتجلب الأمطار والخير للأرض ، وتعد الناجا رمزًا مقدّسًا للخصوبة ؛ فبُنيت المعابد في جنوب الهند حيث امتلأت برموز الناجا على الجدران .

وصارت النساء تذهبن إليها من أجل  التعبد والحصول على منحة من الناجا بالإنجاب والولادة ، والقدرة الدائمة على التكاثر ، لذلك فإن أي محاولة للتجرأ على الناجا في تلك المعابد أو المساس بها ، يعد نذيرًا للشؤم حيث يعتقد السكان المحليون بأنها سوف تقطع عنهم الإنجاب والتكاثر ، نظرًا للتجرأ عليها.

ولعل تقديس الثعبان في الثقافة الهندية لم يتوقف عند الأجيال القديمة فقط ، ممكن قدّسوها ووضعوا لها رموزًا بالمعابد ، وإنما امتدت لأجيال عدة حتى يومنا هذا ، فنرى أن الطقوس الدينية والاحتفالات بالناجا تقام حتى اليوم ، حيث تقام المراسم في الشوارع والطرق الهندية .

ويعد الاحتفال بيوم السابع والعشرين من شهر يوليو بالناجا هو يوم مقدس في التاريخ الهندي ، ويسمى بيوم Nag Panchami ؛ حيث ينطلق الهنود في الشوارع احتفالاً بالناجا ، ويقدمون لها الحليب والأزهار ، والأرز وما إلى ذلك من خيرات ، مع تلاوة العديد من الأدعية التي يذكرون بها أسماء الناجا الإثني عشر والتي ذُكرت في الديانة الهندوسية ، من أجل التبرّك و الحماية لهم ولأسرهم على مدار العام .

ولذلك تختلف الثقافة الهندية عما اعتدنا نحن عليه ؛ فإذا ما وجد أحدهم ثعبانًا بالمنزل فإنه يجب عليه عدم المساس به بتاتًا ، فهو بذلك يحمي المنزل من النحس ويمنحهم الخصوبة والخير ، ويتم تركه حتى يخرج من المنزل متى شاء .

ويعود تقديم الهنود للأرز والأزهار في احتفالاتهم بالناجا ، إلى أسطورة قديمة تعود إلى ثعبان اسمه كاليا ؛ وهو ثعبان سام متعدد الرؤوس قام بنشر سمومه في أحد الأنهار الرئيسة بالهند ، ولكن عفا عنه الإله كريشنا في أحد الأيام ، فاختفت السموم من النهر ، ومنذ ذلك اليوم يقدم الهنود الأرز والأزهار حماية للنهر من السموم مرة أخرى ، وحتى تبقى المياه نقية ويهطل المطر .

في حضارة الصين :
لم تختلف الثقافة الصينية القديمة عن نظيرتيها المصرية والهندية ، فالحكايات والروايات والأساطير الشعبية الصينية القديمة ، تروي كيف تم تقديس الثعابين في الثقافة الصينية بوجه عام ، حيث اعتقد القدماء الصينيون بأن الثعابين لها قدرات خاصة ، مثل القدرة على التحول وتغيير الجلد ، وليس هذا فحسب بل أيضًا  القدرة على التحول إلى إنسان !

ولعل أسطورة الثعبان الأبيض الصينية هي خير مثال على ما اعتقده القدماء في الصين بشأن الثعبان ، وقد تم رواية تلك القصة في العديد من المسلسلات الدرامية ، وعشرات الأعمال الفنية ؛ حيث تروي القصة كيف عاشت أنثى الثعبان الأبيض في المياه ، وتعلمت فنون السحر وكيفية التأمل من أجل الخلود ، مستغلة في ذلك بعض الحبوب التي ألقاها أحد السحرة بالمياه ، ومع مرور السنوات تتزايد قدرة الأفعى على الخلود ومن ثَم التحول ، حتى أصبحت قادرة على التحول إلى امرأة بيضاء .

هذا النوع من الأساطير القديمة هي ما أججت ورسّخت الفكرة حول قدرة الثعبان الخارقة ، إما على التحول أو الحماية أو منح الخير والرخاء والخصوبة ، فهي وفقًا للحضارات القديمة كافة تستطيع أن تمنح البدايات الجديدة التي يسعى لها الإنسان ، ولعل هذا هو ما ارتكزت عليه تلك الحضارات بشأن معتقداتهم عن الثعابين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *