قصة المسلمة المحاربة

اشتدت الحال بالمشركين في معركة أحد حتى اضطروا إلى الجلاء عن معسكرهم والانسحاب تاركين وراءهم ما يفوق الوصف من الغنائم ، فأكب المسلمون على هذه الغنائم يأخذون منها ما تصل إليه أيديهم .

وحرك ذلك المشهد مشاعر الرماة الذين أمروا ألا يبرحوا موقعهم لأي حال ، وتاقت نفوسهم إلى مشاركة زملائهم في الغنائم ، فقال قائل منهم : لماذا تقيمون ههنا في غير شيء ، وقد هزم الله عدوكم ، وهؤلاء إخوانكم ينتبهون عسكرهم ، فادخلوا ، واغنموا مع الغانمين.

وقال أخر : ألم يقل لكم رسول الله لا تبرحوا أماكنكم ، وإن رأيتمونا نقتل فلا تعينونا ، فرد الأول : لم يرد رسول الله أن نبقى بعد أن أذل الله المشركين ، ولم يستقروا على شيء . فنصحهم كبيرهم عبد الله بن جبير بإتباع أوامر الرسول ، فلم يطعه إلا نفر من دون العشرة.

وهنا انتهز المشركون هذه الفرصة السانحة ، فالتفوا بفرسانهم ناحية الجبل والمسلمون في غفلة ، فعادت للمشركين روحهم وشجاعتهم وهاجموا المسلمين فانهالوا عليهم ضربًا وتقتيلًا.

أفاق المسلمون من غفلتهم وانشغالهم بالغنائم ليقاتلوا من جديد ولكن بعد فوات الأوان ، بعد أن تبدل الأمر وأصبحوا هم في موقع الضعف لا القوة ؛ فقامت امرأة وبيديها رمح تضرب في وجوه الناس وتقول : انهزمتم عن رسول الله ، وظلت تقاتل وتقاتل ولم تتوقف عن القتال حتى تيقنت من نجاة رسول الله صلّ الله عليه وسلم.

لم تكن هذه المقاتلة الشجاعة سوى صفية بنت عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي عمة رسول الله صلّ الله عليه وسلم وشقيقة أسد الله حمزة بن عبد المطلب ، وأم حواري رسول الله الزبير بن العوام .

تزوجت في الجاهلية الحارث بن حرب ابن أمية بن عبد شمس ، وهو أخو أبو سفيان بن حرب ، ثم هلك عنها ، وتزوجها العوام بن خويلد بن أسد ؛ فولدت له الزبير والسائب وعبد الكعبة ، وأسلمت  وبايعت رسول الله صلّ الله عليه وسلم وهاجرت إلى المدينة.

حاربت صفية في غزوة أحد ودافعت عن الرسول صلّ الله عليه وسلم باستماتة ، وكانت أشجع من أشجع الرجال ، وفي أحد حين علمت بمقتل أخيها حمزة أقبلت لتنظر إليه ؛ فقال رسول الله لابنها الزبير : القها فأرجعها حتى لا ترى جثة أخيها التي مثل بها.

فلقيها الزبير ، وقال لها : أمي إن رسول الله يؤمرك أن ترجعي ؛ فقالت ولم ؟ أنا راضية بما قدره الله وسأصبر وأحتسب إن شاء الله ، فلما أخبر الزبير الرسول بقولها ، أمره أن يتركها ، وحينما نظرت إلى أخيها هالها ما رأت ، فاستغفرت ، وأمر الرسول بعمه حمزة فحمل ودفن.

وقد شهدت صفية أيضا غزوة الخندق ، وكان الرسول صلّ الله عليه وسلم إذا خرج لقتال عدوه من المدينة ، دفع أزواجه و نساءه في حصن حسان بن ثابت ، وكان من أحصن حصون المدينة . فمر يهودي من بني قريظة فجعل يطوف بالحصن ، وكانت اليهود قد شاركت مع المسلمين في تلك الغزوة ، وقطعت عهدها مع رسول الله ، فلما رأته صفية نزلت إليه وقتلته خشية أن يدل على مكانهما.

وتعتبر صفية أول امرأة قتلت رجلَا من المشركين ، ثم شهدت غزوة خيبر وقاتلت فيها ، وقد عاشت السيدة صفية حياة طويلة حافلة بلغت ثلاثًا وسبعين سنه روت خلالها عن الرسول الله وحزنت عليه ، ورثته بشعر جميل ؛ فقد كانت شاعرة فصيحة ومفوهة ولها مكانة متقدمة عند جميع العرب بالقول والفعل والشرف والحسب والنسب.

وقد قالت بعض الأبيات الجميلة في رثاء خير الأنام ؛ رسول الله صلَ الله عليه وسلم :-

ألا يا رسول الله كنت رجاءنا**** وكنت بنا برا ولم تك جافيا
وكان بنا برا رحيما نبينا**** ليبك عليك اليوم من كان باكيا
لعمري ما أبكي النبي لموته**** ولكن لهرج كان بعدك آتيا
كان على قلبي لفقد محمد**** ومن حبه من بعد ذاك المكاويا
أفاطم صلى الله ربُّ محمد**** على جدث أمسى بيثرب ثاويا
أرى حســنا أيتمته وتركتــــه**** يبــكي ويدعو جده اليوم نائـــيا
فدى لرسول الله أمي وخالتــي**** وعمي ونفسي قصره وعــياليا
صبرت وبلغت الرسالة صادقاً**** ومت صليب الدين أبلج صافيا
فلو أن رب العرش أبقاك بيننا**** سعدنا ولكن أمــره كان ماضيا
عليك من الله السلام تحية**** وأدخلت جنات من العـــدن راضيا

وتوفيت السيدة صفية رضي الله عنها ، عام 20 للهجرة النبوية ، في عهد خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وفي رواية أخرى أنها توفيت في عهد خلافة عثمان بن عفان ، ودفنت بالبقيع بفناء دار المغيرة بن شعبة.

قصص مميزة:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *