قصة المصور روبرت لاندسبورغ

الهواية ، شعلة تنفتح من خلالها كافة الأحاسيس والمشاعر التي تظهر فيما يقوم به الإنسان من عمل ، مثل الفنون ، والكتابة ، وأبرزها التصوير الفوتوغرافي وفن النحت ، والرسم والتشكيل وغيرها ، ولكن إلى أي مدى قد يجازف الفرد بحياته من أجل هوايته ؟ ، قد يكون السؤال سهل الإجابة وأنت جالس في منزلك تحتسي قدح من الشاي في ليلة باردة ، ولكن إذا ما وضعتك الظروف في أحد المواقف العسيرة قد تغير رأيك حتمًا.

يرغب الكثيرون ممن احترفوا مهنة التصوير الفوتوغرافي بالتقاط صورة ، تعيش على مر التاريخ وتدرسها الأجيال من بعده ، ولعل هذا ما حدث مع المصور روبرت لاندسبيرغ ، بالولايات المتحدة الأمريكية عام 1980م ، في واشنطن وبالتحديد قرب بركان سانت هيلين ؛ وجدير بالذكر أن آخر نشاط قد شوهد وتم تسجيله بالولايات المتحدة الأمريكية .

كان قبل أحداث قصتنا بأعوام طويلة ، في عام 1915م ، في بركان لايسن بيك بولاية كاليفورنيا ، وعلى مدار خمس وستون عامًا ، كانت الحياة هادئة للغاية في هذه المناطق ، ولا بأس ببعض النشاطات البركانية بها ، وتعد منطقة سانت هيلين إحدى المناطق المتميزة لهواة ومحبي ومحترفي التصوير الفوتوغرافي ، وأحد هؤلاء المصورين كان المصور روبرت لاندسبورغ والذي كان يبلغ من العمر 49 عامًا.

النشأة :
ولد روبرت ايمرسون لاندسبورغ عام 1931م ، في مدينة سياتل بولاية واشنطن الأمريكية ، وعاش في بورتلاند ، أوريغون ، فكان يزور المنطقة عدة مرات من أجل التقاط صور الرماد المنبعث من البراكيين ويعد روبرت من أهم المصوررين للحياة الطبيعية في زمانه .

بداية القصة :
كان روبرت يتردد على منطقة سانت هيلين من وقت لآخر خلال العام ، في محاولة منه لصنع وثائقيات كاملة ومكتملة بشأن النشاطات البركانية للجبل القابع بتلك المنطقة ، حيث عمل روبرت على التقاط الصور ، وتسجيل القياسات والأفلام الصغيرة مع الشرح لتلك النشاطات وغيرها من السبل المتاحة أمامه.

وبحلول يوم الثامن عشر من شهر مايو لعام 1980م ، كان روبرت يتجول في المنطقة المذكورة كالمعتاد حيث يبدأ يومه بالقرب من البركان ، وبعد مرور نصف ساعة فقط من تواجده بالمكان ، بدأ زلزال ضخم يضرب المكان ، ثم تبعه أكبر انهيار أرضي تم تسجيله في التاريخ ، شمال البركان المراد ، ثم ظهر عمود ضخم ومرتفع للغاية من الدخان والرماد من داخل الجبل ، حتى أن البعض قد أشار أنه خلال ثلاثون دقيقة فقط تغيرت هيئة بقعة كاملة ، على سطح الأرض ، وبالطبع مثل أي شخص في هذا الوضع ، هرب كل من بالمكان ، ولكن روبرت ، ماذا فعل؟

بحسبة بسيطة ، لم يكن روبرت يستطيع الانطلاق لتفادي الانفجار في الوقت المناسب ، ومن المستحيل أن ينجُ من هذا الوضع الذي تفاقم في لحظة ، فإما أن يُدفن أسفل تلك الصخور التي تطايرت بشدة ، أو أنه سوف يختنق جراء الرماد المتطاير قبل يصل إلى ربع المسافة الآمنة.

وبالتالي قرر روبرت أنه إذا قرر البقاء ، فيجب عليه أن يسجل تلك اللحظات الأولى للانفجار بتفاصيلها ، فإذا مات هو عاشت صوره ، بالفعل بدأت روبرت في التقاط الصور من معشوقته الكاميرا بأعداد رهيبة ، من زوايا مختلفة وتفاصيل مختلفة ومتعددة ، ثم أغلق الكاميرا وقام بدفنها في حقيبة الظهر خاصته ، ثم وضعها في أقرب مكان آمن فوق الأرض ، ورقد فوقها بجسده كاملاً ليحميها من التلف.

بلغ ارتفاع عمود الدخان والغازات والدخان التي خرجت من فوهة بركان سانت هيلين ، حوالي 24 مترًا ، وتناثرت شظايا الأحجار حتى ثمانين كيلو مترًا ، وتم سماع صوت الانفجار لمسافة 250 كيلو مترًا من البركان .

هذا الانفجار الذي تسبب في مقتل ستون ألف شخصًا من بينهم روبرت لاندسبيرغ ، والذي تم اكتشاف جثته عقب مرور سبعة عشر يومًا من حدوث الانفجار ، كانت الحقيبة سليمة بالفعل ، والصور والكاميرا ، وبسبب تضحية روبرت بنفسه تم عمل فيلم وثائقي كاملاً مصور لأحد أكبر الثورات البركانية على مستوى العالم ، وفي تاريخ الأرض ، وخُلد اسم روبرت لاندسبورغ المصور كأحد أفضل من قاموا بتوثيق تلك المشاهد الحية عبر التاريخ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *