قصة الشيخ محمد كتبي

المملكة من أكثر المدن التي باركها الله ، ليس فقط لما بها من أماكن لها قدسيتها في الدين الإسلامي ، ولكن أيضًا بالرجال والنساء الذين حققوا الكثير في كافة المجالات ، وأحد أبرز هؤلاء الرجال هو محمد كتبي ، والذي عرف بأنه موسوعة للعلم والقضاء .

كان الملك نبهًا ويقظًا لأهمية هذا الرجل مما جعله يصر على أن يبقي بالقرب منه ، وأمر الملك عبد العزيز طيب الله ثراه ، أن يمنح عمارة المالية لكي يبقي بالقرب من المسجد الحرام ، وحتى الملك فيصل حين تولى الحكم رفض أن ينقل للشرقية لأنه يعلم قيمته وقدره جيدًا .

من هو محمد كتبي ؟
محمد نور بن إبراهيم كتبي ، هو أحد أبناء الأسر العظيمة التي درست العلوم الشرعية ، والتي ما زالت حتى يومنا هذا مستمرة في طريقها كما هو ، عُرف عن هذه الأسرة أنها شغوفة بالكتب والمكتبات ، وعمل معظم رجالها في المكتبات الكبيرة بالمملكة .

الميلاد والصفات :
ولد محمد كتبي في مكة المكرمة بين عامي 1323هـ : 1327هـ لم يثبت أيًا من المؤرخين تاريخ ميلاد محدد له ، وكان من سكان حارة جبل هندي ، والده هو أحد أبرز العلماء وهو محمد بن إبراهيم كتبي ، وكان محبوبًا من الجميع فقد كان حنون ورقيق وسمح النفس .

كانت دار والده دائمًا ما تكون مزدحمة بالضيوف والناس من أصحاب الحاجات والمراجعين ، وكان دائمًا الوالد صريح ومخلص لا يتحدث إلا بالحق ، شجاع لا يخشى لوم من أحد ، ودائمًا ما يحاول الإصلاح بين الناس وتقديم العون للمحتاج ، وكان مبتسم دائمًا ومتواضع للجميع .

كان والده قدوة له وتمثل بنفس صفاته ففتح الله عليه ، وأعتبره الجميع من أعلام المدينة وأشهر القضاة فيها ، وكان دائمًا يميل ناحية السلم ، وكان دائمًا يحاور الطرفين حتى يصل للحل الأكثر سلمًا ، خاصة في قضايا الطلاق والخلافات ، أو قضايا الحقوق مثل الدين والمواريث .

وقد شهد له تاريخ القضاء في المملكة بعدد القضايا التي كان سببًا في حلها بشكل ودي ، خاصة قضايا الأشقاء والأرحام ، فكان يتحدث مع الطرفين ويحاول أن يمحو أي خلاف بين أطراف المشكلة ، وأن يزيل أي رواسب نفسية تتعلق بالمشكلة وقد تؤثر على العلاقات بين الأسرة الواحدة .

العلم :
كان كتبي من أكثر طلبة العلم سعيًا فقد حفظ القرآن بالتجويد مع الشيخ عبد اللطيف قارئ وهو خال والدته ، وتعلم كذالك أصول الفقه ، ودرس الحديث والتفسيرات ، وتعلم عدة قراءات للقرآن ، درس في المدرسة الصولتية وتخرج منها ، وأكمل مشوار التعليم .

فقد درس الفقه مرة أخرى بعد التخرج ، وتتلمذ على يد معظم علماء الحرم ، كذالك تعلم أصول الدين والمذاهب الأربعة السنية ، من هنا أصبح واحدًا من أبرز من كتبوا عن الفقه والعلم وأصول الدين في المملكة والعالم الإسلامي كله .

العمل :
تم تعيين كإمام للمسجد الحرام عام 1340هـ وكان عمره حينها لم يتعدى السبعة وعشرون عامًا ، وكان يؤم المصلين في صلاة التراويح ، وفي عام 1347هـ تم تعيينه مراقب للدروس التي تعطى في الحرم الملكي ، بتكليف من الملك مباشرة .

في عام 1349هـ تم تعيينه كعضو في هيئة التمييز ، وفي عام 1355هـ عين عضو في مجلس المعارف بالمملكة ، وفي عام 1357هـ تم تعيينه كرئيس للمحاكم والدوائر الشرعية بالمدينة المنورة .

تم منحة العمارة المالية من أجل البقاء بالقرب من الملك عبد العزيز رحمه الله ، في عام 1372هـ التقى بالأمير سعود بن عبد العزيز ، حينها قدم الشيخ طلب تقاعد وافق الأمير على إحالته للمعاش ولكن بكامل راتبه تقديرًا على مجهوداته وما قدمه للمملكة .

بعد تعيين الأمير عبد المحسن بن عبد العزيز أمير للمدينة المنورة ، وتم تعيينه عضو من أعضاء مجلس الإدارة ، في عهد الملك فيصل رحمه الله تم تعيين الشيخ كوزير للأوقاف ، وبعدها تولى القضاء في مدينة القطيف ، ولكن الملك فيصل رحمه الله رفض أن ينتقل وأمر بتعيينه كشيخ للحرمين حتى لا ينتقل بعيدًا عنه .

بعد أن مر شهر واحد على ذلك ، صدر أمر بتعيين الشيخ مستشار شرعي من أجل إدارة أوقاف المدينة ، وكان هذا في عهد معالي الشيخ حسين عرب وزير الحج والأوقاف ، وفي نفس الوقت استمر الشيخ في طريق العلم ، كذالك أستمر في كتاباته حول السنه النبوية وأصول الدين .

سيرته :
اهتم عدد من المؤرخين بسيرة الشيخ محمد ، وحرص عدد من العلماء على ترجمة الكتب والأبحاث التي قام بها أثناء عمله ، وقد تحدثت العديد من الدوريات والرسائل الإعلامية عن الشيخ .

الوفاة :
توفي الشيخ في الثاني والعشرين من شوال 1402هـ ، وكان حينها في الخامسة والثمانين من عمره ، كان معظمها بين العلم والعمل ، ما زالت أعماله في سلك القضاء وحلول المشكلات والقضايا التي تعرض عليه ، كان الشيخ محل ثقة الجميع من الطبقة الحاكمة إلى المواطنين العاديين ، فقدم الكثير من الخدمات الجليلة للوطن والدين ، وقضى سنوات كثيرة في حياته في العمل بالقضاء ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *