قصة عروة بن الزبير

من أعظم الأمثلة التي ضربت في الصبر على الشدائد ، والرضا بقضاء الله قصة عروة بن الزبير، وهو ابن الصحابي الجليل الزبير بن العوام ، وأمه ذات النطاقين أسماء بنت أبي بكر ، وخالته عائشة رضي الله عنها زوجة الرسول الله .

وقعت هذه القصة في عهد الخليفة الوليد بن عبد الملك ، فقد طلب الخليفة من عروة بن الزبير زيارته في دمشق مقر الخلافة الأموية حينها ، فخرج من المدينة متوجها صوب دمشق بعد أن ودع أهله واستعان بالله ، وأخذ معه أحد أولاده السبعة ، والذي كان يحبه حبًا شديدًا ، ولكنه أصيب في الطريق بآكلة في رجله أخذ يشتد عليه حتى أقعده ، وهو مرض يطلق عليه الغرغرينا حاليًا.

لما وصل عروة إلى قصر الخليفة لم يستطيع الدخول ، فحملوه إليه ، فحزن الخليفة كثيرًا على ضيفه الذي خرج من أهله سليمًا معافى ، وأصيب في بلاد الخليفة ، فجمع أمهر الأطباء لينظروا في أمره ، وقرروا بأن الآكلة (الغرغرينا) ليس لها علاج سوى بتر الرجل من الساق ، فلم يعجب الخليفة بهذا الاقتراح ، ولكن الأطباء أكدوا أن هذا هو الحل الوحيد ، وإن لم يفعل فسينتشر المرض حتى يصل إلى جسده ، ويفنيه.

فأخبر الخليفة عروة بقول الأطباء فلم يقل كلمة سوى (الحمد لله) ، وحينما هم الأطباء بقطع رجل عروة بن الزبير ، طلبوا منه أن يشرب الخمر حتى لا يشعر بآلام القطع ، ولكنه استنكر ذلك ، فقالوا له : كيف نفعل هذا بك وأنت مدرك للأمر ؟ .

فقال لهم دعوني حتى أصلي وبعدها أبدؤوا ، وكان رحمه الله إذا انغمس في الصلاة تاه عن الدنيا وما فيها ، فأخذ يصلي ولما هم بالسجود ، قطعوا رجله ، فأخذ الدم ينزف بغزارة شديدة ، فصبوا عليه الزيت المغلي حتى يتوقف ، وهنا لم يتحمل عروه الألم فسقط مغشيًا عليه .

وفي هذه الأثناء كان ابن عروة بالخارج يشاهد خيول الخليفة ، فرفسه أحدهم ، وقضى عليه ، وذهبت روحه إلى بارئها ، فاغتم الخليفة لمصائب عروة التي اجتمعت عليه ، ولم يدري كيف يخبره بأمر ابنه ، فانتظر حتى أفاق ، واقترب منه قائلًا : أحسن الله عزاءك في رجلك ، فقال عروة : الحمد لله ، وإنا إليه راجعون .

فزاد الخليفة على قوله ، وأحسن الله عزاءك في ابنك محمد ، فرد عروة : اللهم لك الحمد ، وإنا لله وإنا إليه راجعون ، أعطاني سبعة ، وأخذ واحدًا ، وأعطاني أربعة أطراف وأخذ واحدًا ، إن ابتلى فطالما عافًا ، وإن أخذ فطالما أعطى ، وإني أسأل الله أن يجمعني بهما في الجنة .

ولما فرغ من قوله أحضروا له وعاء به الرجل المبتورة ، فقال : إن الله يعلم أني ما مشيت بك إلى معصية قط وأنا أعلم ، بعدها بدأ عروة يعود نفسه على السير متكئا على عصاه ، وفي مرة من المرات وبينما هو مصاب دخل إلى مجلس الخليفة ، فوجد رجلًا طاعنا في السن مهشم الوجه ، أعمى البصر ، فقال الخليفة : يا عروة ، سل هذا الشيخ عن قصته .

فسأله عروة ، وأجاب الشيخ : يا عروة أعلم أني بت ذات ليلة في وادٍ ، وليس في ذلك الوادي أغنى مني ولا أكثر مني مالاً وحلالاً وعيالاً ، فأتانا السيل بالليل فأخذ عيالي ومالي وحلالي ، وطلعت الشمس وأنا لا أملك إلا طفل صغير وبعير واحد ، فهرب البعير فأردت اللحاق به ، فلم أبتعد كثيراً حتى سمعت خلفي صراخ الطفل.

فالتفتُ فإذا برأس الطفل في فم الذئب ، فانطلقت لإنقاذه فلم أقدر على ذلك فقد مزقه الذئب بأنيابه ، فعدت لألحق بالبعير فضربني بخفه على وجهي ، فهشم وجهي ، وأعمى بصري !

فقال عروة متعجبًا من صبره ، وما تقول يا شيخ بعد ذلك ؟ ،  فقال له الشيخ : أقول اللهم لك الحمد ترك لي قلباً عامراً ولساناً ذاكراً ، وهكذا أرسل الله لعروة رسالة تثبته على موقفه ، وتعلمه مدى الرضا بقضاء الله وقدره ، فهكذا يجب أن يكون المسلم صابرًا محتسبًا ، عالمًا أن الله لا يضيع أجر الصابرين ، ويرزقهم من حيث لا يحتسبوا ، ويفرج كروبهم ، فسبحان العلي القدير .

ردّ واحد على “قصة عروة بن الزبير”

  1. قصص قصيرة الأنبياء وجيدة شكرآ لك يا صانع هذا الشيء.
    انت من كاتبي الأشياء الجميلة.

اترك رداً على عبدالرحمن محمد وسيم نقشبندي إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *