قصة بئر عثمان بن عفان

كما قال الشاعر : من يفعل الخير لا يعدم جوازيه *** لا يذهب العرف بين الله والناس ، ينطبق هذا البيت على ما قام به عثمان بن عفان ، فقصتنا اليوم عن استمرار عطاء بئره حتى اليوم بعد قرابة من أربعة عشر  قرن من وفاته .

حب عثمان بن عفان لفعل الخير :
إن أحداث القصة التي يدور عنها حديثنا اليوم أغرب من الخيال ، ولكن هي جزاء الإحسان الذي قدمه رضي الله عنه للإسلام والمسلمين ، كان رضي الله عنه كثير المال محبًا للإنفاق في سبيل الله  ، فبعد إسلامه أوقف الكثير من ماله على خدمة الإسلام والمسلمين ، ومن مواقفه التي خلدتها كتب السيرة تجهيزه جيش العسرة في غزوة تبوك ، حيث قُدر مجموع ما أنفقه وحده بثلث عدة الجيش ، وساهمت الصدقات التي جُمعت في تجهيز باقي الجيش .

قصة بئر رومة :
إن الجزيرة العربية هي أرض قليلة الماء ويسيرة المصادر الغذائية ، ولما قدم المهاجرون مع رسول الله إلى المدينة المنورة استغربوا ماءها ، إذ لم يكن في المدينة ماء عذب إلا بئر لرجل اسمه رومة ، وهناك اختلاف في تحديد أصله ، فقيل : هو من بني كنانة ، وقيل من بني مزينة ، وقيل إنه من اليهود وكانت هذه البئر عذبة الماء كماء زمزم ، الذي تعود عليه الصحابة في مكة المكرمة .

سبب شراء عثمان للبئر:
كان الرجل يسقي الماء بثمن باهظ أرهق صحابة رسول الله ، فاشتكوا لرسول الله صلّ الله عليه وسلم  ، فوعده رسول الله وعدًا حسنًا إن أوقفها للمسلمين ، فرفض الرجل لأنها مصدر رزقه الوحيد ، وعندما بلغ ذلك ذي النورين طلب من الرجل أن يشتريها فرفض الرجل أن يبيعها كلها ، فباع نصفها مقابل أن تكون البئر له يومًا ولعثمان يومًا ، ووهب عثمان البئر للمسلمين فكانوا يشربون منها في يومه ولا يشترون من الرجل .

فاضطر الرجل أن يبيعها كلها لعثمان رضي الله عنه فقد كان باع النصف الأول منها باثني عشر ألف درهم ثم باع النصف الثاني منها بثانية آلاف درهم لتقع كلها بعشرون ألف درهم ، ووهبها عثمان رضي الله عنه للمسلمين طمعًا في الثواب ، ففي صحيح البخاري قَالَ عُثْمَانُ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ يَشْتَرِي بِئْرَ رُومَةَ فَيَكُونُ دَلْوُهُ فِيهَا كَدِلَاءِ الْمُسْلِمِينَ فَاشْتَرَاهَا عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ  .

توسعة البئر وأحواله عبر الزمن :
قام رضي الله عنه بتوسعة البئر حتى تعم فائدتها على أهل المدينة طمعا في الجنة ، التي وعد رسول الله من يحفرها للمسلمين ، ومنذ ذلك الوقت وهي وقف لخدمة الإسلام والمسلمين ، ومع مرور الزمن نمت حولها أنواع من النخيل ، وفي يومنا هذا أصبحت مزرعة كاملة ، تقع في حي من أرقى أحياء المدينة ، ويقع في الشمال الغربي من المدينة المنورة ، ومع توالي أحداث الزمن على البئر هدمت ثم أعيد إحياؤها في عهد شهاب الدين الطبري في منتصف القرن الثامن الهجري .

استمرار البئر إلى اليوم :
اهتمت المملكة بشئونها وعملت على تنميتها وتطويرها والعناية بها ، فقد تولت وزارة الشؤون الإسلامية الإشراف عليها والبستان منذ عام 1344هـ ، وبعد ذلك أجرتها إلى وزارة الزّراعة والمياه للإشراف عليها ، والذي تحول إلى مزرعة متطورة لأهل المدينة المنوّرة ، وبالمزرعة بِركة تُملأ بماء البئر العذب ليشرب منه كل من يزور المكان ، ومازالت تلك الصدقة جارية حتى ما شاء الله ، فقد ربح البيع رضي الله عنه .

قصص مميزة:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *