قصة بناء الكعبة المشرفة

في تاريخ العقائد آثارًا جليلة كانت محل البحث والدراسة على مدى العقود ، فكانت العناية بها لها منزلة كبيرة في حياة الأمم ، خاصة هؤلاء الذين ينتمون إلى تلك العقائد ، على مدار العصور ، والكعبة المعظمة من ضمن هذه الآثار الجليلة ، على المستوى التاريخي والعقائدي ، فهي أول بيت مبارك وضع للناس ، حفظه الله وآمنة وباركه وجعله منارة لهداية الناس.

قال الله تعالى في كتابة الكريمإِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ} سورة آل عمران الآية 96 ، إن الكعبة هي الكعبة على رغم كل الأحداث والوقائع التي عاصرتها فمن حق من يعتنق دينها أن يعرف عنها المزيد ، فنحن بفضلها أصبحنا أمة واحدة بعد أن كان لا تاريخ لنا .

الكعبة :
كانت الكعبة غثاء على الماء قبل أن يخلق الله تعالى السموات والأرض ، ثم دحاها ، ثم ثبت قواعد الكعبة في وسطها فكانت سرة الأرض و أم القرى ، فقال تعالى في كتابه العزيز {وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا ﴿30﴾ أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا ﴿31﴾ } سورة النازعات .

فقد غاب عن التاريخ الكثير والكثير عن قصة بناء الكعبة الشريفة ، ولكن المعروف والذي جمع بين أيدينا أنها بنيت قبل آدم عليه السلام  ، وأن الملائكة الكرام  هم الذين قاموا بتشييد أول بناء لها ، تحت مركز العرش ، بعد البيت المعمور ، فقد ثبتت قصة البناء من قبل الخليل إبراهيم عليه السلام ، ويقال أيضًا أنها كانت مغطاة بياقوتة حمراء ، رفعت بموت آدم عليه السلام .

قصة بناء الكعبة المشرفة:
عن الإمام  عليّ كرم الله وجهه  ” إن أول خلق هذا البيت ( المقصود به الكعبة ) أن الله عزوجل قالوَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً ، قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ، قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}سورة البقرة الآية 30 .

ثم غضب الله سبحانه وتعالى عليهم ، وأعرض عنهم ، فطافوا بالعرش سبعًا ، (كما يطوف الناس بالبيت الحرام ) يسترضونه من غضبه ويقولون ” ليبك اللهم لبيك ، ربنا معذرة إليك ، نستغفرك ونتوب إليك ” فرضى الله تعالى عنهم ، وأوحى أن يقوموا ببناء بيتًا في الأرض يطوف به العباد ممن أغضب عليه فأرضى عنه كما رضيت عنكم ، وكان هذا بداية هتاف لبيك اللهم لبيك الذي يردده الملايين .

الكعبة في عهد آدم عليه السلام:
خلق الله تعالى آدم عليه السلام من صلصال من حما مسنون ، ثم نفخ فيه من روحه وصار بشرًا سويًا ، ثم خلق له زوجه ليسكن إليها ، ولكن وسوس إليه الشيطان ليخرجه من الجنة فراح يغريهما حتى آكلا من الشجرة .

فقال تعالى {قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} سورة البقرة الآية 38 ، وعن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال ” قال رسول الله صلِّ الله عليه وسلم ” بعث الله جبريل إلى آدم  وحواء فقال لهما ابنيا لي بيتًا ، فخط لهما جبريل فجعل آدم يحفر وحواء تنقل التراب حتى أجابه الماء ، ونودى من تحته : فحسبك يا آدم ، فلما بنيا أوحى الله تعالى إليه أن يطوف به وقيل له ، أنت أول الناس وهذا أول بيت ، ثم تناسخت القرون حتى رفع إبراهيم القواعد.

وقال الإمام الفخر الرازي رحمه الله : أن آدم عليه السلام لما هبط إلى الأرض ، شكا الوحشة ، وقال يا رب مالي لا أسمع أصوات الملائكة ولا أحسهم ، فأمره عزوجل ببناء الكعبة والطواف بها .

حيث بنى آدم عليه السلام الكعبة على القواعد المثبتة في الأرض وطاف بها ، ومن بعده طاف أولاده وبقى ذلك إلى زمان نوح عليه السلام ، فقد ظل البشر يلوذون بالكعبة الشريفة ويطوفون بها ويرددون الهتاف الخالد لبيك اللهم لبيك.

زمن نوح عليه السلام :
جاءت فترة من الزمن ارتد فيها البشر عن الإيمان ، وعبادة الله وعبدوا الأوثان ، وأراد الله تعالى أن يعيدهم للإيمان ، فأرسل إليهم نوح عليه السلام ، ينصحهم ويرشدهم لعبادته ولكنهم استكبروا فكانت النهاية هي الطوفان المدمر .

وبعد الطوفان اندثرت معالم الكعبة الشريفة ، وظل مختفيًا إلى أن بعث الله تعالى جبريل عليه السلام ، إلى إبراهيم ، فكان الناس قد نسوا ربهم ، ولم يعد الإنسان يتجه إلى الكعبة أو يطوف بها ، واتجهوا لعبادة الأصنام .

زمن إبراهيم عليه السلام :
ولد إبراهيم عليه السلام  في مدينة أور ، وكان يقضي الساعات في الصحراء بعيدًا عن قومه يفكر في صمت ، أن للكون آله واحد هو الذي خلقه ، والذي يسيره ، وبعد أن رأى برهان ربه ، بدأ يدعو الناس لعبادة الدين الجديد ، وهدم أصنام قومه ، فأوقدوا النار وألقوه فيها وسط حشد كبير ، ولكن النار كانت بردًا وسلامًا عليه .

وبعد الحادثة خرج وهو زوجته سارة ، من البلدة إلى حاران لدعوة الناس ، ولكنهم لم يستجيبوا له ، حتى وصل إلى مصر وبقا بها ما شاء الله أن يبقى ، واستأذن الملك بالرحيل ، وأعطى لزوجته السيدة سارة ، السيدة هاجر ، وانطلق إبراهيم عليه السلام  إلى أرض كنعان .

وزوجت السيدة سارة سيدنا إبراهيم عليه السلام من السيدة هاجر المؤمنة ، وحملت في سيدنا إسماعيل عليه السلام ، أي المسموع من الله ، ولكن اوحى الله تعالى إلى الخليل إبراهيم أن يأخذ ابنه وزوجته بمكة ، لتبدأ مرحلة أخرى من مراحل قصة الكعبة المعظمة ، أول بيت وضع للناس .

تقدم إبراهيم عليه السلام حتى وصل إلى ربوة حمراء ، كانت قائمة هناك وفوقها أطلال مهدمة ، ترك زوجته هاجر وابنه اسماعيل عليه السلام ولما مضى الخليل إبراهيم عليه السلام  قالرَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ } سورة إبراهيم الآية 37.

وحدث حادث السعي وتفجرت الماء تحت قدم سيدنا إسماعيل عليه السلام ، وعاشت السيدة هاجر وأبنها جوار ماء زمزم ، وامتلآ المكان بالسكان عندما جاءت قبيلة جرهم للتفاهم مع السيدة هاجر ، وتحول الوادي إلى أرض نابضة بالحياة .

وجاء حادث الذبح الشهير : { فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ۚ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ} سورة الصافات الآية 102.

بناء إبراهيم عليه السلام وولده اسماعيل الكعبة المشرفة :
بعد أن لبث إبراهيم علية السلام بعيدًا عن مكة زمنًا ، عاد إليها وقال لأبنه أن الله تعالى أمرني بأمر أن ابني هنا بيتًا ، حيث الربوة الحمراء المرتفعة ذات الأطلال التي تركهم عندها ، وقال تعالىوَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} سورة الحج الآية 26.

بدأ سيدنا إبراهيم عليه السلام ومعه إسماعيل عليه السلام يزيلان الأطلال ويطهران مكان البيت من الأحجار والصخور حتى ظهرت القواعد الأساسية للبيت وأخذا معًا في بنائه من جديد ، { وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ } سورة البقرة الآية 127-128.

كان إبراهيم عليه السلام يبنى وإسماعيل عليه السلام يناوله الأحجار ، إلى أن أقيم البناء واكتمل البناء فقال إبراهيم عليه السلام ” ائتنى بحجر أضعه هنا ليكون علما للناس ومنه يبدؤون الطواف ، فذهب سيدنا إسماعيل إلى الوادي يبحث عن حجر مميز يصلح وتأخر في البحث ، فجاء سيدنا جبريل عليه السلام بالحجر الأسعد .

قد أودع الله تعالى الحجر جبل أبي قبيس ( وهو جبل مشرف على المسجد الحرام ، سمي باسم رجل من مذحج  أو جرهم ) ، في مكة حين غرقت الأرض بعد طوفان نوح عليه السلام ، فوضعه جبريل علية السلام في مكانه ، كان الحجر يتلألأ بنور وهاج أضاء المكان من حوله .

ارتفع البناء إلى السماء تسعة أذرع وطوله من الشمال إلى الجنوب من الناحية الشرقية اثنين وثلاثين ذراعًا ، ومن الشمال إلى الجنوب من الناحية الغربية ، أحدًا وثلاثين ذراعًا ، ومن الشرق إلى الغرب مما يلي الجهة الجنوبية  من ناحية الحجر الأسعد إلى الركن اليماني نحو عشرين ذراعًا ، ومن الشرق إلى الغرب مما يلي الناحية الشمالية ، أي جهة حجر إسماعيل اثنين وعشرين ذراعًا .

وكان للبيت بابين ملاصقين للأرض ، أحدهما جهة الشرق مما يلي الحجر الأسعد ، والأخر من الناحية الغربية مما يلي الركن اليماني ، على سمت الباب الشرقي ، ويتم حفر بداخله بئرًا ، ولم يجعل له سقفًا ، وبعد ان انتهى إبراهيم عليه السلام من بناء البيت جاء سيدنا جبريل عليه السلام وأراه المناسك ، ثم قام إبراهيم عليه السلام بالمقام وحمد لله وأثنى عليه وأذن في الناس بالحج.

وهكذا استقرت مكانة أم القرى ببناء الكعبة المعظمة ، وأصبحت العاصمة الدينية للمسلمين جميعًا وتم الرسوخ أن مكة بلد مكرم .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *