قصة الحياة غير النظيفة

قصة للكاتب الإيطالي ألبيرتو مورافيا من أشهر الكتاب الايطاليين ،ولد لعائلة ثرية من الطبقة الوسطى ، لم ينهي ألبرتو دراسته لأنه أصيب بمرض السل مما أقعده في الفراش لمدة خمس سنوات ، وتلك الفترة ساعدته على حب المطالعه ، كتب أول مؤلفاته عام 1929م ، ثم بدأ حياته المهنية ككاتب في مجلة 900 حيث كتب أول قصصه القصيرة.

بداية القصة :
مثل كل يوم ، حزمت أمرها ، ورفعت الأغطية عنها ، حركت ساقيها ووضعت قدميها على الأرض ، متجهة إلى الحمام ، وذلك بعد أن أنهت أسرتها زينتها وتفرقت ، تاركيها نائمة ، في الشقة خالية ، حيث توجه كل أفراد المنزل إلى واجهاتهم ، فأبيها ذهب إلى مكتب المحاماة خاصته ، وأمها ذهبت إلى الكنيسة ، وأخواتها إلى الجامعة ، والخادمة إلى السوق .

واجب المهنة:
وهي أيضًا لديها واجب لابد أن تنفذه ، فعند الظهيرة سيأتي الرجل الذي يجب عليها أن تتزوجه ، في أقرب وقت من وجهة نظرهم ، وقد ذكرت أنه واجب بل وواجب مهنيّ ، ذلك لأنها عمليًا تربت ونشأت ودرست وكبرت ، على أن يأتي الوقت الذي لابد فيه أن تتزوج بشخص ما ، وهذا الوقت قد حان وهي في العشرين من عمرها ، أما الآن فهي في التاسعة والعشرين من عمرها ، فماذا حدث !

سبب تأخر الزواج:
إن ما حدث معها بكل بساطة ، أن من فرط ما سمعها الآخرون وهي تقول ، أن هدف حياتها الزواج وتكوين بيت وأسرة ، وإنجاب الأولاد ، فذهبت إلى أبعد من أحلام والديها ، فقد كانت أحلام والديها أن تصبح امرأة فسيوليجيا ً، أى أن تصبح منعزلة ، وقد صعد إنعزالها وفسيولجيتها إلى قمة رأسها .

بمعني أنه عندما يراها الرجال لعوب جًدا ، محبة للتعري ، لا تمانع من التعبير عن مشاعرها بسرعة بالإضافة إلى اظهار مفاتنها الاستثنائية ، فقد ظنوا أنها ملتهبة جدًا وشهوانية ، ولكن هي عكس ذلك تماماً ، فهي عقلانية جدًا ، كما أنها باردة بما فيه الكفاية ، فكان يبتعد الرجال عنها ، وكان هذا هو السبب الذي جعل الرجال يمتنعون عن طلب الزواج منها ، بالرغم من أنهم كانوا يسعون خلفها بنهم شديد ، فهي أنثي ملتهبة تربت على عبادة حياة الأسرة .

أفكار وتساؤلات :
وتحت صنبور الماء الحار ، ظلت تدور وتدور بحركات خرقاء تحت الماء ، فهي تعلم أنها جميلة جدًا ، وهذا ما يجعلها تتساءل كيف للمرء أن يكون امرأة ، ذلك التساؤل الذي يجعلها تقضي ساعتين في الحمام يوميًا .

حيث أن الأنوثة تطرح عدة افتراضات أولها هي الاهتمام بجسدها يوميًا مثل اهتمام الجندي بسلاحه ، فيجعلها ذلك تقوم بحساب الزمن ، الذي يضيع بسبب ذلك الاهتمام بعد عشرين عاماً من الحياة .

حساب الوقت الضائع:
كم من الوقت يمر خلال العشرين عاماً ، في الاهتمام بجسمها فقط ، منذ مرحلة مراهقتها العدائية حتى سن النضج ، كم من الوقت الذي يضيع للاعتناء بشعرها وفمها وعينيها وأظافرها وساقيها الخ..

كم من الوقت تمضي داخل البيت وخارجه للاعتناء بجسدها ، بداية من الذهاب للمدلكين من باب التجميل إلى مصففي الشعر وغيرهم ، نعم الكثير من الوقت يضيع ، ولا تلوم أحد على ذلك ، حتى أهلها فالكل لم يعترض أن تقوم مثلها مثل أي فتاة بالاهتمام بأنوثتها .

التجهيز لاستقبال زوج المستقبل :
في البداية كانت حركتها بطيئة وعقلانية ، ولكن كلما مرت الساعات ، ويقترب وقت الظهر فحركاتها تكون جنونية ، حيث تجرى من غرفتها إلى الحمام ، ومن الحمام إلى الغرفة ، وتمرر القلم الأسود على حاجبيها ، تقوم بارتداء بنطالاً لاصقاً ، تغسل أسنانها ، تضع أحمر الشفتين ، تربط البطن بمشد مطاطي ، كم من الوقت يمر ، وهي تبحث عن قرط الأذن الضائع ، وتليق لون التنورة على لون البلوزة ، بما يتناسب مع ذوق الرجل الذي سيدق بابها بعد عدة ساعات .

البحث:
وقفت في غرفتها في حيرة من أمرها ، وسط التنانير والبلوزات المبعثرة في الغرفة ، فكانت أشبه بجندي في ساحة المعركة ، لكنه وحيد ، وحيد تمامًا وسط الجثث ، ماذا تختار ، يستحيل أن تقرر والوقت يمر ، وها هو صوت الباب .

قلق:
خافت حين سمعت صوت الباب الملح ، ولابد أن تفتح الباب ، وأمانة للتربية التي تلقتها ، والتي تريد منها أن تجعلها مغرية أكثر من طبعها ، فسارعت إلى فتح الباب وهي نصف عارية ، واعتذرت ضاحكة للشاب ، وهي تدعوه للجلوس في الصالون حتى تكمل ارتداء ملابسها وتعود إليه .

الضيف المنتظر:
لفت انتباهها أنه شاب وسيم ، أسمر البشرة يصغرها بخمس سنوات ، ولكن المفاجأة التي أصابته رسمت على وجهه ، سلسلة من الغضون ، التي أبدته أكثر نضجاً بل بدى شيخاً .

دخل الصالون ، وهو يتمتم بشيء ما ، وهي سارعت إلى غرفتها ارتدت ملابسها ، وخرجت إليه ، كان مزاجها معتدلاً ، وقد جلس الشاب بجانب نبتةً في اصيص في الصالون ، وبشكل لا شعوري راح الشاب يقطف النبتة ورقة ورقة .

تعارف:
ابتسمت للشاب قائلة له : (دع النبتة تعيش بسلام) ، أعتقد أنك أتيت الى هنا لكي تتحدث معي عن حياتنا المستقبلية ، فأنا أسمعك ، رد عليها الشاب متلعثمًا قائلًا : سوف نسكن في الريف ، في فيلتي ، حيث أعيش مع أمي وأخوتي ، سوف نحيا حياة بسيطة ، حياة نظيفة ، فأنا سأهتم بمزرعتي ومواشي وأبيع محاصيلي ومنتجاتي ، وأذهب للصيد ، وأنت سوف تمكثين في المنزل تراعي الأولاد ، سوف تكون حياة نظيفة ، بسيطة مثل حياة والدي وأجدادي .

فسألته : ألم يكون لنا بيتا أيضا في المدينة ؟؟ ، فقال لها : لا ماذا سنفعل به ؟ ، ثم أردف قائلًا : سوف نعيش بالريف ، وإذا كان هناك ضرورة للنزول للمدينة ، سوف نقيم في فندق ، فردت عليه : نعم لقد فهمت ، أنا سأمكث في البيت للاعتناء بالبيت والأطفال ، فهل أنت واثق من قدرتك على إنجاب الأطفال ؟ ، فأجابها : نعم ، فنحن عائلة ثرية ونحب إنجاب الأطفال بكثرة ، فسألته : كم من الأولاد تريد ، فرد عليها : ستة أو ثمانية ، فنحن نحب إنجاب الأولاد بكثرة ، فما فائدتهم إذا إن لم يكونوا كثر ، فقالت له : عظيم ولكن ، هل فكرت أنني من سأنجب اليك الأطفال ؟ ، نظر إليها قائلًا : لطالما قلت أنك تحبين الأطفال !

حساب الوقت :
أجابته : نعم ، ولكني أحب أطفال الآخرين ، أما عن أطفالي فهيا نحسب سويًا ، أنا عمري الآن التاسعة والعشرين ، فلنحسب ثمانية أطفال موزعين على عشرة أعوام ، هذا يعني أنني سأصبح في الأربعين من عمري ، مع ثمانية أطفال ، بين عمر السنه والتسعة سنوات ، وكما هو معروف بأن الأطفال يحتاجون لأمهم حتى سن البلوغ ، وهذا يعني أنها عندما تصبح بسن الخمسين يجب عليها أن تعتني بالصغير ، الذي لا يكاد يتعدى العشر أعوام ، في الخمسين سأصبح مثل أمك الآن ، امرأة عجوز ، وأنت أيضًا ستصبح رجلا ناضجاً ، ولكن سوف يكون لك عملك في المزرعة والصيد وإدارة الممتلكات وغيرها ، أما أنا ماذا عني .

ذاتي وكياني :
أما أنا سوف أشبه كلب يحرسه الناس ، لأنها عجوز وقد اعتاد الناس رؤيتها ، أنا محقه أليس كذلك ؟ ، رد عليها : لا ، أنت كائن بشري ، وليس حيوان ، فقالت له : أنت تشبه والدي كثيرًا ، فقد رباني لكي أصبح كما تريد حيوانًا ، ولكنهم إزاء كائن بشري ، لا يقبل الحياة كما يملون عليه .

حياة نظيفة:
والآن اسمعني جيداً ، فقاطعها : أعدك أن حياتك سوف تكون مثلما قلت ، فلا قلق من تلك الأفكار ، ودعينا نتجنب عناء الكلام ، قالت له : أنت بالفعل تتجنب عناء الكلام ، فقد استخدمت كلمة حياة نظيفة أكثر من مرة في كلامك ، وهذه الكلمة لها معنى عندما تقال من رجل مثلك .

قال لها : أي رجل أكون أنا ، فقالت : أنت رجل عصابي من الدرجة الأولى ، ولا تقل لا ، بل أنظر إلى ملابسك ، وإلى الغضون الذي بوجهك ، وطريقتك وأنت تتكلم ، فعندما تتكلم عن حياة نظيفة ، أظن أنك تبحث عن علاج لعصابك ، فأنا وأنوثتي وجمالي وعيشتي في الريف ، والأطفال الكثيرة ، وشعري الأشيب بعد مرور السنوات ، تعتبرها أقراص تبتلعها كعلاج لك ، ولكن للأسف فان طبيبك كان من كان ، لا يأبه شيء عن مرضك ، فالحياة النظيفة لن تنفعك في شيء ، بالرغم من وجود أطفالك الثمانية وزوجتك التي تسرك .

القرار:
قالت ذلك الكلام ، والواضح أنه لم يقله أحد له من قبل ، والدليل أن وجهه الذي لاح شنيعًا ، يعلوه الغضون الذي أضفي عليه لمعان القلق الشديد ، فقال لها : اذا برأيك ، ما الذي سينفعني ؟

فقالت له مبتسمة : ربما أحبك كثيرًا ، فبالفعل أنا أكن لك الاحترام ، وكونك عصابياً ، فلن تتصرف مثل الآخرين ، فقد عرفت أن تذهب مباشرة إلى ما وراء مظهري كامرأة ، لا تجيد إلا تعرية جسدها ، فهمت أنى مختلفة على ما أبدوا ، وبدل من أن تقوم بما يسمونه مغازلة ، اقترحت عليّ شيء جديًا ، وللأسف فإن الحياة النظيفة ليست شيئًا جدي .

فقال : وما هو الشيء الجديّ ، ابتسمت بنعومة قائلة : ربما يكون العكس ، ربما الحياة غير النظيفة ، فقال لها : وما تعني كلمة غير النظيفة ؟ ، فقالت له : عندما تخبرني معني الحياة النظيفة ، سوف أخبرك بمعنى الحياة غير النظيفة ، فقال لها : وهل لو عشنا سويًا الحياة غير النظيفة ، هل ستقبلين الزواج بي ؟ ، فقالت له : فورًا فورًا فورًا .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *