قصة الجن في هاشيما

سردنا من قبل العديد من القصص والحكايات بشأن الأماكن المهجورة ، والتي سكنها العمّار ؛ وهم عشائر من الجن يقبعون بالأماكن التي يهجرها أهلها ، لأكثر من أربعين يومًا دون أن تطأ المكان أية أقدام ، ولهذا فنحن لسنا الكائنات الوحيدة الموجودة على وجه الأرض ، أو في العالم الحالي ، فعالمي الإنس والجن مذكوران كلاهما في كتاب الله الكريم (القرآن) ، ولكننا لا نستطيع رؤية الجن ، وإنما نستشعر وجودهم أينما كانوا .

في مدينة ناجازاكي باليابان ، وعلى بُعد خمسة عشرة كيلو مترات منها ، تقع جزيرة مميزة تُدعى هاشيما ، تلك الجزيرة التي تقبع وسط عدة جزر أخرى ، ولكنها الأكثر تميزًا ؛ نظرًا لأنها تأخذ شكل وهيئة سفينة حربية ، بالإضافة إلى أنها مهجورة كاملة منذ سنوات طويلة ، بالإضافة إلى أنها تقع فوق مساحة واسعة من المناجم الضخمة ، والتي تحتوي على الفحم بكميات مهولة تحت المحيط في تلك البقعة ، ولعل هذا كان هو السبب في لجوء السكان إليها منذ عام 1887م.

عندما أقام عددًا من السكان بتلك الجزيرة ، أنشئوا فيها بعض الأبنية الدراسية والمقاهي البسيطة ، وسارت الحياة بصورة شبه متوسطة ، إلى أن تم اكتشاف مناجم الفحم أسفل منها ، فتوافد عليها الكثيرون وتم التوسع في الأبنية التي تحولت ، إلى أسواق ومطاعم وحياة كاملة في هذه الجزيرة المنعزلة وراجت التجارة بها بشكل كبير .

وإبان فترة الحرب العالمية الثانية ، تم تحويل الجزيرة إلى مكان أشبه بالسجن ، حيث تم إرسال المساجين الكوريين ، والعديد من العبيد الصينيين ، إلى الجزيرة وتم ضخهم بأعداد مهولة لاستخراج أكبر كميات من الفحم من داخل تلك المناجم .

بالطبع نتوقع كيف كانت معاملة هؤلاء الأسرى ، تحولت حياتهم إلى جحيم ، حيث كانت تُقدم لهم أسوأ الأطعمة ، وأقلها في الكم ، بالإضافة إلى تعذيبهم وإجبارهم على العمل لساعات طويلة للغاية لا يتحملها بشر ، ودون أدنى قدر من الراحة ، حيث كان يتم إيقاظهم مبكرًا للعمل كالبهائم دون كلل أو راحة ، وحتى منتصف الليل ، ودون تقديم أية مساعدات لعلاج المرضى منهم .

بل كان يتم تركهم يلاقوا حتفهم داخل المناجم ، ولا يتم احترام الجثث التي كانت تُلقى في أي ركن فارغ لتتحلل ببطء ، فأصابت الأمراض أسرى المناجم جميعًا ، وتعرضوا للمجاعات والوحشية والظلم ، ومات منهم الكثيرون تحت أرض الجزيرة .

بالطبع الحياة فوق أرض الجزيرة كانت مختلفة للغاية ، فقد ازدهرت التجارة مما رفع من قدر الحالة الاقتصادية لها ، فأصبحت بحلول عام 1959م من أكثر الأماكن المأهولة بالسكان حرفيًا على وجه الأرض .

بينما يعاني العمال تحت أرضها من الموت ، ويواجهونه وحدهم حيث تُركوا للموت مثل الحشرات ، تزايدت العمالة وزاد معها الدخل ، ولكن بحلول عام 1974م ، حل البترول محل الفحم وبدأ اقتصاد الجزيرة في الانهيار تدريجيًا ، حيث ظلت المناجم تعمل إلى أن توقف العمل بها تمامًا بشكلٍ مفاجئ ، وأغلقتها الحكومة بقرار صارم وتم إعلان إخلاء الجزيرة وأنه قد حان وقت الهجرة لكل السكان !

لماذا ؟ لا أحد يعرف حتى الآن ، لكن السكان رحلوا بالفعل وتم إخلاء الجزيرة بسرعة كبيرة للغاية ، لدرجة أن العديد قد تركوا متعلقاتهم الشخصية بها دون أن يأخذونها معهم ! هذا بالطبع فيما يتعلق بالسكان فوق الرض بالجزيرة ، ولكن ماذا عن العمال ؟ بالطبع ، لم يلتفت لهم أحد ، وتركوا وحدهم ، ولا أحد يعلم هل تم ترحيلهم مع السكان أم لا ، فكل ما تم توثيقه حتى الآن ، يشير إلى أن الجزيرة خاوية تمامًا من السكان بالأعلى والأسفل .

انقطعت الحياة ، وظهرت الأصوات ؛ أصوات صرخات وعذاب وكلمات تأتي من تحت الأرض ، تستطيع السفن العابرة والمراكب الشراعية سماعها عن بعد ، ولكن دون أن تتوقف إحداها بجوار الجزيرة المهجورة ، تلك المدينة التي لم تطأ أرضها قدمًا حتى عام 2009م .

حيث ظلت مهجورة طوال تلك السنوات ، وتم إعادة افتتاحها مرة أخرى وتصنيفها بأنها أحد الأماكن المأهولة بالأشباح على مستوى العالم ، ولكن عند افتتاحها لم تُفتتح المدينة بالكامل بل مجرد 3% فقط من المدينة ، في حين ظلت باقي المدينة مغلقة حتى الآن وممنوع أيضًا للطائرات تصويرها ، وحتى وقتنا هذا ، مازالت الأصوات تُسمع سواء فوق أرض الجزيرة أو تحتها ، وكأن السكان مازالوا بها ، ومن المثير للانتباه ، هو عدم تحليق أية طيور فوق الجزيرة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *