قصة سجينا القمامة

قد تجبرنا الحياة على العزلة ، فاعتزال الناس يأتي عقب العديد من المحن والهزائم وقلة الثقة ، ولكن كيف يمكن لشخص ناجح أن يترك علمه وعمله خلفه ، ولا ينظر إليهم مجددًا ويختار العزلة برغبته ؟ وقد لا تكون رغبته حقًا ، من يدري ، وللأخوان هومر ولانجلي كولير عبرة في ذلك .

ولد كل من هومر كولير ، ولانجلي كولير بمدينة نيويورك ، لوالد يعمل طبيبًا للنساء ، ووالدته كانت مغنية أوبرا سابقة ، وكان هومر هو الابن الأكبر ، وعندما أتى لانجلي قررت العائلة الانتقال إلى منزل جديد ، بناه الوالد من أربعة طوابق وأُطلق عليه المنزل البنيّ ، قاما الوالدان بتعليم ابنيهما تعليمًا جيدًا ، فتخرج أحدهما من كلية الهندسة ، وتخصص الآخر في قانون البحرية .

وكان الطبيب هيرمان كولير والد الصبيين ، يعشق التجديف لدرجة أنه كان يذهب إلى المشفى ، بالقارب في نهر إيست ، ويعود بنفس الكيفية أيضًا حتى ولو لم يكن لديه عمل ،  وبعد سنوات ، انفصل الطبيب هيرمان عن زوجته بشكلٍ مفاجئ ، وانتقل إلى منزل جديد عاش به وحيدًا ، إلى أن توفى بعد عدة أعوام ، تاركًا ميراثه لزوجته وولديه ، بينما ظل الولدان مع أمهما بالمنزل حتى توفت هي الأخرى بعد بضعة أعوام ، تاركة خلفها كل ما تملك لهما ، وعاش الوالدين بالمنزل وحدهما.

وكانت الحياة تبدو أنها تسير على ما يرام ، فقد كان الشابان يذهبا للعمل يوميًا كل في مجاله ، ويعطيان دروسًا بالموسيقى للأطفال بالكنيسة ، إلى أن أصيب هومر بنزيف في عينيه أفقده بصره ، ورغم أنهما متعلمان إلا أنهما رفضا أن يفحصه أي طبيب ، فقد كانا مقتنعان بأن الأطباء يزيدون الأمر وبالاً على رأس صاحبه ، وبقي لانجلي للعناية بأخيه الكفيف ، وانعزلًا شيئًا فشيئًا عن الحياة الاجتماعية ، واكتفيا بنفسيهما .

حدثت تغيرات كثيرة في ملامح المجتمع الأمريكي آنذاك ، خاصة في فترة الكساد الاقتصادي التي ضاعت معها ممتلكات الجميع ، وصار اللصوص يسرقون كل من يقع تحت أيديهم ، الأمر الذي زاد الشقيقين عزلة على عزلتهم ، بالإضافة إلى فضول الجيران الذين كانوا يتطفلون عليهما ، فهومر لا يخرج من المنزل أبدًا ويعتمد على شقيقه ، الذي قام بعمل أفخاخ ووضع حجارة على النوافذ ، مستغلاً في صناعة أفخاخه خبرته الهندسية .

فقام بوضع متاهات ومطبات صنعها من القمامة والخردة ، الأمر الذي جعل لانجلي لا يغادر المنزل سوى ليلاً لإحضار الطعام لأخيه ، وجمع ما يستطيع لإنهاء مشروع المتاهة ، كما تقاعس عن دفع فواتير الكهرباء والمياه والهاتف ، نظرًا لعدم شعوره بأهميتهم ، فانقطع كل ذلك عنهما بالطبع .

كان لانجلي يغادر المنزل ليلاً بحثًا عن الطعام ، أو قطع الخردة ، وكان يرتدي ثيابًا رثة حتى لا يطمع به اللصوص ، والحقيقة أن الأخوين كانا ثريين للغاية ، فقد قام لانجلي بشراء منزلاً مجاورًا لهما ، حتى يكف الجيران عن فضولهم ولا يتعرض لهما الأطفال .

في أحد الأيام من العاك 1947م ، قام أحدهم بالاتصال بالشرطة مبلغًا عن انبعاث روائح كريهة للغاية من المنزل البنيّ ، هنا انتقل رجال ومحققو الشرطة إلى المنزل لمعرفة السر الكامن خلف الشقيقين ، ولكنهم قابلوا أطنانًا من القمامة وقطع الخردة ، ولم يكن الدخول سهلاً فكلما تقدموا خطوة كلما فتحوا على أنفسهم أحد الأفخاخ وتراجعوا مرة أخرى ، ولم تكن الرائحة المنبعثة هينة بل كانت أشبه برائحة الجثث المتحللة .

بعد أيام من المحاولات استطاع رجال الشرطة أخيرًا الولوج للمنزل ، وهنا وجدوا جثة هومر كولير متحللة داخل الحمام مرتديًا روب الحمام ، ومتكومًا على نفسه ، وبفحص الجثة تبيّن أنه مات جوعًا ، بالإضافة إلى عدم وجود شقيقه لانجلي بالمنزل ، مما أثار ارتياب الجميع في محاولة لفهم ، كيف ترك لانجلي أخيه يموت جوعًا هكذا؟

عقب أيامًا من البحث ورفع أطنان مهولة من القمامة ، وقطع الخردة ، ومحركات السيارات والكتب والصحف ، وجدوا جثة الشقيق الأصغر لانجلي مكومة ومتحللة تحت أكوامًا من الصحف ، وتبين أنه قد تعثر في أحد أفخاخه أثناء خروجه في إحدى الليالي لإحضار الطعام ، فمات خنقًا تحت كميات مهولة من الكتب التي وضعها من أجل اللصوص ، ومات أخيه جوعًا بانتظاره ولم يكن يفصل بينهما سوى أمتار قليلة ، والحقيقة أن الرائحة الكريهة كانت منبعثة من جثة لانجلي تحديدًا .

تم دفن جثتيّ الشقيقين إلى جوار والديهما ، وتحويل المنزل إلى ركام بعد أن تسربت المياه إليه وسقطت أجزاء من الجدران ، وتم توزيع الثروة الهائلة على عدد من الأفراد الذين أثبتوا أنهم أقاربهما ، وتحول المكان حاليًا إلى منتزه عام يخلد اسم الشقيقين حتى الآن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *