قصة الهزيمة المدوية لفرنسا أمام ألمانيا في الحرب العالمية الثانية

كان سقوط فرنسا عام 1940م في يد الألمان مفاجئًا وصادمًا حيث تمت هزيمة واحتلال فرنسا بسرعة على يد الألمان، في حين اعتقد الفرنسيون في البداية أنهم مستعدون جيدًا للحرب المحتملة مع العدو الألمان، لكنهم لم يكونوا كذلك حيث انهارت فرنسا واستسلمت بسرعة أمام الألمان.

عند بداية الحرب العالمية الثانية كانت فرنسا نظريًا دولة قوية بجيش كبير وإمبراطورية شاسعة امتدت حول العالم ، لكنها لم تكن متماسكة، كانت تعاني من صراعات سياسية حادة ، وكان العديد من السياسيين أكثر ولاءً لحزبهم السياسي من بلدهم، وكان الناس في كل من اليسار المتطرف مثل الشيوعيين أو اليمين المتطرف يكرهون الحكومة الفرنسية بشدة ، ويمكن وصف دعمهم للحكومة الفرنسية بأنه فاتر الحماسة بعد الغزو الألماني، كما شعر الكثير من الناس العاديين بالاشمئزاز من قادة الجمهورية الفرنسية الثالثة، والذين كان ينظر إليهم على أنهم مجموعة من السياسيين المنحرفون والفاسدون.

كما سادت الروح الانهزامية داخل فرنسا مع بداية الحرب العالمية الثانية، فأصبح معدل المواليد في فرنسا منخفضًا، وكان الكثيرين مقتنعين أن البلاد تتدهور سريعًا، وكان التشاؤم منتشر بين المثقفين الفرنسيين في ذلك الوقت، وكان معظم رجال النخبة السياسية والعسكرية مقتنعين في قرارة أنفسهم أن فرنسا لن تستطيع هزيمة ألمانيا وأن أي جهود مقاومة ستكون دون أي جدوى على الرغم من أنهم ربما لم يكونوا يصرحوا بذلك، وأن أيام جمهورية فرنسا قد ولت، وكل هذه العوامل بجانب تفوق ألمانيا التكتيكي والعسكري أدت للسقوط المدوي لفرنسا في يد الألمان في عام 1940م.

في سبتمبر من عام 1939م، غزت ألة الحرب الألمانية بولندا، وبدأت معها الحرب العالمية الثانية، وسرعان ما أعلنت كلًا من فرنسا وبريطانيا وقوفهما ضد ألمانيا، وكان الجيش الألماني نظريًا بنفس قوة الجيش الألماني، وكان لديهم إمبراطورية شاسعة وصناعة أسلحة متطورة، كما أنهم أنشأوا سلسلة من التحصينات على طول الحدود الشرقية للبلاد مع ألمانيا والتي عرفت باسم خط ماجينو، وهذا الخط تم تصميمه خصيصًا لصد هجوم ألمانيا.

ومع ذلك في الأسابيع الأخيرة من الربيع وأوائل صيف عام 1940م أصبح من الواضح أن فرنسا غير مستعدة للهجوم الألماني بشكل مزري، حيث تعرضت لهزيمة مذلة وسرعان ما احتلتها ألمانيا.

كانت التكتيكات العسكرية الفرنسية قديمة للغاية في بداية الحرب، لقد فشلوا في إدراك أن الحرب قد تغيرت بشكل أساسي منذ الحرب العالمية الأولى ، بجانب افتقارها لقيادة عسكرية جيدة، وفي ساحة المعركة واجهت فرنسا جيشًا ألمانيًا قويًا وأكثر استعدادًا كما أنهم كانوا يستخدمون أسلحة وتكتيكات عسكرية أكثر تطورًا.

وكانت فرنسا بالفعل تخشى ألمانيا منذ الحرب الفرنسية البروسية 1870-1871م، حيث هزم البروسيون الفرنسيون بسرعة واحتلوا جزءًا كبيرًا من البلاد، وفي الحرب العالمية الأولى اقترب الألمان أيضًا من هزيمة فرنسا، وبدون مساعدة الحلفاء لكانت فرنسا هزمت هزيمة نكراء أمام الألمان.

وعلى الرغم من كون الألمان خسروا في الحرب العالمية الأولى، إلا أن الفرنسيون كانوا يخشون بشدة الدخول معهم في صراع أخر، خلال مفاوضات معاهدة فرساي بعد انهيار ألمانيا خلال الحرب العالمية كان المفاوضين الفرنسيون مصرين على ضرورة تحييد الجيش الألماني.

وفي الفترة من 1918-1918متبنى الفرنسيون ، بقيادة رئيس الوزراء كليمنصو ، نهجًا متشددًا تجاه الألمان، لكن في منتصف عشرينيات القرن الماضي كان هناك ذوبان في العلاقات الفرنسية الألمانية ، وكان هناك أمل في تقارب حقيقي بين أكبر قوتين في أوروبا القارية.

ومع ذلك ، فإن الكساد الكبير وصعود هتلر كان يعني أن الفرنسيين واجهوا فجأة نظامًا عدوانيًا محتملًا في ألمانيا، تبنى الفرنسيون سياسة استرضاء دبلوماسية وسعت إلى استرضاء هتلر من خلال تقديم تنازلات له ، مثل السماح له بإعادة عسكرة الراي، ومع ذلك ، لم تمنح ألمانيا أي فرصة لفرنسا فبدأت فرنسا في إعداد دفاعاتها.

كرس الفرنسيون جزء كبير من مواردهم لبناء خط ماجنينو، وتم تسمية هذا الخط باسم وزير الدفاع الفرنسي، وبنوا سلسلة طويلة من التحصينات على طول الحدود الشرقية مع ألمانيا، وتوقفت عند الحدود البلجيكية، ووضع الفرنسيون كل قواتهم خلف خط ماجينو واتخذوا وضعية دفاعية.

في سبتمبر 1939م أعلن الفرنسيون والبريطانيون  الحرب على ألمانيا بعد أن غزا هتلر بولندا، وخلال عدة أشهر تالية كان هناك نشاط ضئيل أو معدوم على الجبهة الغربية، وهذه الفترة عرفت باسم”الحرب الزائفة” وفي ربيع 1940م حول الألمان انتباههم غربًا ومضوا في الهجوم.

بدأت معركة غزو فرنسا في العاشر من مايو عام 1940م، واستمرت 46 يومًا فقط، سقطت باريس في يد الألمان في 14 يونيو، وبعد الانهيار الكلي للجيش الفرنسي استقال رئيس الوزراء الفرنسي بول رينو في 16 يونيو خلال الكارثة، وبدأ خليفته المارشال فيليب بيتان مفاوضات لإنهاء الحرب، وبحلول يوم 25 يوم يونيو أجبرت فرنسا على الاستسلام.

تكبد الجيش الألماني 157000 ضحية خلال غزو فرنسا لكن خسائر فرنسا والحلفاء أسوأ بكثير، حيث خسر الحلفاء ضعف هذا العدد من الرجال وبلغ عدد ضحاياهم 360ألف، وتم القبض على مليوني رجل، وفر حوالي 300ألف جندي فرنسي وبريطاني من الألمان وتم إجلائهم من قبل القوات البحرية في دنكرك.

احتل الألمان غالبية فرنسا خلال الغزو، وفي جنوب فرنسا أسس فيشي نظامًا سياسيًا شبه مستقل عن باريس وضم إليه المستمعرات الفرنسية بالخارج.

بين الحربين العالميتين طور الجيش الألماني تكتيكات الحرب الخاطفة، واستندت هذه الاستيراتيجية، على شن هجمات عالية السرعة وهجمات متنقلة على نقاط ضعف العدو، وأثبتت تلك التكتيكات نجاحًا كبيرًا في فرنسا، وقد تأسس نجاح ألمانيا في فرنسا على خطة طورتها الاستيراتيجية العسكرية العظيمة للجنرال إريك فون مانشتاين، حيث تبنى خطة تعرف باسم خطة شيلفن وهي خطة كادت تنجح خلال الحرب العالمية الأولى.

ومع ذلك بدلًا من أن يتقدم الألمان على جبهة واسعة عبر بلجيكا ركزوا ثلثي قواتهم ومعظم دباباتهم في منطقة آردين ببلجيكا، وقد عززت فرنسا وبلجيكا تحصيناتهما في تلك المنطقة لأنها افترضا أن التضاريس في تلك المنطقة لن تسمح بمرور الدبابات، وعندما هجم الألمان عبر الآردين تفاجأ الفرنسيين وحلفائهم بعبور الدبابات الألمانية.

وبعد أن نجحت القوات الألمانية في شق طريقها إلى فرنسا استخدمت تكتيكًا عسكريًا أخر يعرف باسم السكتة الدماغية المنجلية، حيث اجتاحوا السهول الشمالية الفرنسية بسرعة كبيرة، وقسموا القوات الفرنسية البريطانية إلى قسمين،، وظل الجيش البريطاني منعزلًا في بلجيكا، بينما ترك الجيش الفرنسي يتحمل وطأة القوات الألمانية.

بعد الاستيلاء على فرنسا، استولى الألمان على دبابات سموا إس 35 الفرنسية واستخدموها في عام 1940م، وعلى الرغم من أن الفرنسيون كانوا يأملون أن يردع خط ماجينتو الألمان ويوقع ضحايا بين صفوفهم ويدفعهم للجوء للمفاوضات، إلا أن العكس تمامًا هو ما حدث، حيث أن الاعتماد المفرط على ماجينتو كان يعني أن الفرنسيين دفاعيين للغاية، كما أن هذا الخط لم يحمي كامل خطوط فرنسا بأكملها، وقد تجنبه الألمان تمامًا عن طريق الغزو من بلجيكا، وقد فشل العسكريين الفرنسيون في وضع خطة طوارئ لمواجهة احتمال شن الهجوم من بلجيكا، فكانت البلاد مفتوحة تمامًا من ناحية بلجيكا.

وعندما بدأ هجوم الألمان اختبأ الفرنسيين ببساطة خلف خط ماجينتو، وعندما هجم الألمان عبر آردين أصبح الفرنسيين محاصرين في المخابيء وتم تطويق تحصينات الخط بسرعة من قبل الألمان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *