قصة توبة أبو نواس

أبو نواس هو واحد من أشهر شعراء العصر العباسي ، وبجوار شعره الرائع الذي  حقق له شهرة كبيرة ، وجعله صديق الملوك وشاعرهم ، فقد اشتهر أيضًا طوال حياته بالزندقة والانغماس في المعاصي حتى أطلق عليه شاعر الخمر ، ولكنه أيضًا اشتهر عنه توبته قبل موته وكتابة أبيات من الشعر تعتبر من أفضل ما كتب في التوبة والاستغفار على مر العصور والتي تشهد له بحسن الخاتمة .

من هو أبو نواس :
الاسم الكامل لأبو نواس هو الحسن بن هانيء الحكمي ، أما أبو نواس فهو لقبه ، وقد ولد في عام 145للهجرة ، وكان والده جندي في جيش الخليفة مروان بن محمد والذي يعد أخر خليفة أموي في دمشق ، ولما هزم جيش الخليفة ، انتقل والد إلى العراق ليعيش بالبصرة ، وكان عمر أبو نواس حينها عامين فقط ، ولكن والده توفي في سن صغير ، فتولت أمه رعايته .

وقد كان أبو نواس يحب حضور مجالس العمل منذ صغره ، ولأنه كان يعمل عطارًا ، فقد كان ينتظر حتى ينتهي عمله ، ثم يذهب إلى الكتاب وقد شجعه العطار الذي كان يعمل معه على ذلك ، وقد حفظ أبو نواس القرآن وأيضًا درس الفقه والتفسير .

وقد التقى بشاعر كوفي شهير يسمى والبة بن الحباب فانتقل معه للكوفة ، ولكن والبة أشتهر أيضًا بالمجون والخلاعة وشرب الخمر ، وقد تعلم منه أبو نواس الشعر والمجون أيضًا ، وعندما عاد أبو نواس للبصرة التقى بالشاعر خلف الأحمر الذي علمه الشعر بطريقة جعلته يملك ناصية اللغة والأدب ، فقد كان يعطه 30 قصيده من القصائد القديمة ليحفظها ، ثم يطلب منه نسيانها ويعطيه غيرها حتى لا يتأثر أسلوبه بالشعر القديم .

نال أبو نواس مكانة كبيرة عند الخليفة العباسي هارون الرشيد وعند ابنه الأمين ، ومع ذلك سجن عدة مرات بأمر من هارون الرشيد وابنه الأمين بسبب كلامه الخليع .

من نوادر أبو نواس :
يروى عن أبو نواس الكثير من النوادر والتي استخدم فيها الشعر ببراعة  ، ومن تلك المواقف أنه ذات يوم قبل عيد الأضحى خرج يسير في أحد أحياء الكوفة ، فرأى أعرابيًا معه مجموعة من الأغنام ، فقال له :

أيا صاحب الزود اللواتي تسوقها .. بكم ذلك الكبش الذي تقدما .

(والزود هي الغنم )فرد الأعرابي على الفور ببيت شعر على نفس الوزن قائلًا :

أبيعك إن كنت تبغي شراؤه .. ولم تك مزاحًا بعشرين درهما .

فرد عليه أبو نواس :

أجدت هداك الله رجع جوابنا .. فأحسن إلينا إن أردت تكرما

فقال له الأعرابي :

أحط من العشرين خمساً لأنني …أراك ظريفًا فاقبضنه مسلمًا

فانصرف أبو نواس ولم يشتري ، فتجمع الناس حول الأعرابي ، وقالوا له أتعرف من هذا الذي كان يتحدث معك ، فقال لهم : لا ، فلما قالوا له أنه الشاعر أبو نواس ، حمل الكبش وأسرع يجري نحو أبو نواس وأعطاه إياه هدية بدون أي مقابل ، ولما سأل أبو نواس الناس عن الرجل صاحب الأغنام ، فقالوا له أنه من باهله ، فقال الأبيات التالية :

وباهليٍ من الأعرابِ منتخبِ .. جادت يداه بوافي القرن والذنب
فإن يكنُ باهليا عند نسبتهِ ..    ففعله قرشيٌ كامل الحسب

وتعد تلك البيات السابقة من أروع ما قيل في المفاصلة في البيع والشراء .

وفاة أبو نواس وحسن خاتمته :
في أواخر حياة أبو نواس بدأ يتوب إلى الله ، ويتجه نحو الزهد والتوبة ، حتى أن الناس لم يصدقوا أن رجل مثل أبو نواس يمكن أن يتوب توبة صادقة ، وعندما مات رآه أحد أصدقائه الصالحين في منامه ، فسأله عن حاله ، فرد عليه أبو نواس لقد غفر الله لي ، فقال له بم غفر لك ، فرد أبو نواس بأبيات كتبتها ، تعجب صديق أبو نواس كثيرًا لأنه يعرف أن معظم أشعاره كانت في الخمر والمجون ، فذهب إلى والدته ، وعندما سألها عما رآه بكت ، وأخرت إليه ورقة كان أبو نواس قد تركها تحت فراشه قال فيها :

مولي وإن عظمت ذنوبي كثرة ..     فلقد علمت بأن عفوك أعظم

إن كان لا يدعوك إلا محسن .. فمن الذي يرجو ويستجير المجرم

أدعوك ربي كما أمرت تضرعًا ..  فإذا رددت يدي فمن ذا يرحم

مالي إليك وسيلة إلا الرجا       ..    وجميل عفوك ثم إني مسلم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *