قصة الإمبراطور الروماني كومودوس

كان الإمبراطور اليوناني كومودوس الذي ظهر في فيلم المصارع مصاب بجنون العظمة أكثر بكثير مما صورته هوليود ، فقد كان الأباطرة الرومان يتميزون بنمط غريب ن فكل إمبراطور لامع بشكل استثنائي كان يخلفه أخر مجنون بشكل استثنائي أيضًا .

فقد أعقب الإمبراطور كلوديوس الذي طور روما بشكل كبير الإمبراطور نيرون الذي أحرق روما بشكل سيئ ، والإمبراطور تيتوس فلافيان الذي استكمل الكولسيوم ورثه أخيه دوميتيان الذي نقض أعمال أخيه واغتيل في بلاطه .

والإمبراطور الحكيم ماركوس أوريليوس والذي عرف باسم ،الفيلسوف ” وأخر الأباطرة الخمسة الجيدين في روما ورثه ابنه كومودوس ، الذي اشتهر بجنونه طوال آلاف السنين .

تم تعيين لوسيوس أوريليوس كومودوس ، المولود عام 161م كإمبراطور مشترك مع والده ،ومن عنه هو والده نفسه عام 177 عامًا عندما كان عمره 16 عامًا فقط ، وقد كان ذو عقل بسيط، ولكنه حكم بطريقة والده في البداية وانضم إليه في حروبه التي شنها ضد القبائل الجرمانية على طول نهر الدانوب لعدة سنوات .

ولكن بعد أن توفى الإمبراطور الأب ماركوس أوريليوس عام 180 لأسباب طبيعية ، قام ابنه كومودس بعقد معاهدة سلام مع تلك القبائل على عجل حتى يتمكن من العودة سريعًا إلى العاصمة ويستمتع بحكمها بمفرده .

وعلى الرغم من ذوقه الغريب إلا أن كومودس في البداية تصرف كشاب ثري مدلل أكثر من كونه إمبراطورًا دمويًا ، وكما قال المؤرخون فإنه لم يكن في البداية شريرًا ، ولكن جبنه جعله يقع تحت سيطرة أصحابه .

وقد احتفظ بمعظم مستشارين والده ، ومرت السنوات الثلاثة الأولى في حكمه بسلام مع وجود ميزة لم تكن موجودة من قبل للأباطرة الرومان وهي أن روما لم تشترك في حروب ، وفي الواقع كان يمكن أن تكون فترة حكم كومودس هي الأهدأ في تاريخ روما ، لولا الأحداث المؤسفة التي وقعت بعد ذلك .

فقد حاولت شقيقة كومودوس لوسيلا اغتيال أخيها عام 182 م ، وتختلف المصادر التاريخية حول أسباب تلك المؤامرة ، فالبعض يرى أن لوسيا كانت تشعر بالغيرة من زوجة كومودس كريسبينا ، بينما يرى البعض أنها قد لاحظت علامات عدم الاتزان العقلي الأولى التي ظهرت على أخيها .

ومهما كانت الأسباب فقد فشلت المؤامرة ، وأثارت تلك الحادثة جنون كومودس ، الذي بدأ يرى الغدر والمؤامرات في كل مكان ، فقام بإعدام اثنين ممن ظن أنهم متورطين في محاولة قتله ، مع مجموعة من أعضاء مجلس الشيوخ البارزين ، ونفى أخته لوسيلا إلى كابري وبعد عام أمر بقتلها .

وقد مثلت تلك المحاولة نقطة تحول في حياته ، فقد ذاق الدم البشري ولم يعد قادر على التوقف عن القتل ، فبدأ بإعدام الناس دون النظر إلى مكانتهم أو جنسهم أو ثروتهم ، وكل من لفت انتباه الإمبراطور تعرض لغضبه ، وفي النهاية اختار أن يترك أمور الحكم كليةً ، وانشغل بسباقات العربات الحربية ، وترك زمام الأمور في يد مجموعة من تابعيه ، كل واحد منهم بدا أكثر قسوة من الأخر .

وحتى هؤلاء لم ينجوا من تبعات غضبه ، فقد أمر بقتل أحدهم وهو سيكستوس تيجيديوس لأنه كان مقتنعًا أنه يتآمر ضده ، وسمح للعامة بتقطيع الأخر ويسمى كليندر حتى الموت ، بسبب انتهاكاته في حقهم .

وبفضل كومودوس انحدرت روما من مملكة ذهبية إلى مملكة حديدية صدأه ، وبينما كانت المدينة تتحلل كان كومودوس منشغل بنفسه فقط ، وكانت عمليات الإعدام قد فتحت شهيته للدم ، فانشغل بمطاردة الحيوانات ، وبدأ يشارك في المصارعة في الكولوسيوم بنفسه ، وقد أثار ذلك رعب أعضاء مجلس الشيوخ وفرحة الحشود في نفس الوقت .

وقد كان بالنسبة لأعضاء مجلس الشيوخ كان رؤية إمبراطورهم وهو يركض نصف عاري على رمال المدرج للعب المصارعة أمر مثير للاشمئزاز ، ولم يكن جنون كومودوس مقصورًا على الكولسيوم فقط ، ولكنه أعاد تسمية روما إلى “كولونيا كوموديانا ” بمعنى مستعمرة كومودوس ، وغير أسماء الأماكن الشهيرة بها لتعكس الألقاب العديدة التي منحها لنفسه .

كما أعلن أنه تجسيد للإله هرقل وأجبر مجلس الشيوخ على الاعتراف بألوهيته ، وتم عمل تماثيل للإمبراطور الذي تم تصويره كبطل أسطوري في جميع أنحاء البلاد ، كما أمر بإزالة رأس الإمبراطور نيرون من أحد تماثيله العملاقة ووضع رأسه محلها .

وبحلول عام 192 كان الشعب الروماني قد رأى ما فيه الكفاية من إمبراطوره ، وانحدرت المدينة إلى الإفلاس والفوضى وانتشرت الجرائم ، لذلك قررت مجموعة صغيرة من المتآمرين اغتياله من بينهم عشيقته مارسيا ، وقد استخدمت لحمًا مسمومًا لقتله ، ولكنه تقيأه ، ونجا من المحاولة .

ولكنهم لم ييأسوا فبعثوا بشاب رياضي لخنق الإمبراطور البالغ من العمر 31 عامًا في حمامه ، وهكذا انتهى حكم سلالة نيرفا أنتونين التي حكمت روما لما يقرب من قرن من الزمان ، وسرعان ما انحدرت المدينة إلى الحرب الأهلية بعد الفوضى التي خلفها كومودس .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *