قصة ثورة أمريكا اللاتينية

في أواخر عام 1808م امتدت إمبراطورية العالم الجديد الأسبانية إلى أجزاء من غرب الولايات المتحدة Tierra del Fuego ، ومن البحر الكاريبي إلى المحيط الهادئ ، وبحلول عام 1825م ، ذهب الجميع باستثناء بعض الجزر في منطقة البحر الكاريبي ، فكيف يمكن لإمبراطورية العالم الجديد الأسبانية أن تنهار بسرعة وبشكل كامل ؟ والجواب طويل ومعقد ، ولكن هناك بعض الأسباب الرئيسية .

عدم احترام طبقة Creoles :
في أواخر القرن الثامن عشر الميلادي ، كانت للمستعمرات الإسبانية طبقة مزدهرة من الكريول : وهم رجال ونساء من أصول أوروبية ولدوا في العالم الجديد ، وكان سيمون بوليفار Simon Bolivar مثال جيد على ذلك : فقد جاءت عائلته من إسبانيا ،وعُينت في إسبانيا وفي الغالب الأسبانيين المولودين في الولايات المتحدة لم يكونوا في مواقع مهمة في الإدارة الاستعمارية ، على سبيل المثال في المحكمة لم يتم تعيين أي مواطن فنزويلي من عام 1786م إلى 1810م : وخلال ذلك الوقت ، خدم عشرة إسبان وأربعة كريول في مناطق أخرى ، وهذا أثار غضب طبقة الكريول المؤثرة الذين شعروا بشكل صريح أنه يتم تجاهلهم .

عدم التجارة الحرة :
أنتجت إمبراطورية العالم الجديد الإسبانية الواسعة العديد من السلع ، بما في ذلك القهوة والكاكاو والمنسوجات والنبيذ والمعادن وأكثر من ذلك ، ولكن تم السماح للمستعمرات فقط بالتجارة مع إسبانيا ، وبأسعار فائدة للتجار الإسبان ، وأخذ كثيرون لبيع بضائعهم بشكل غير قانوني إلى التجار البريطانيين والأمريكيين ، وفي نهاية المطاف اضطرت إسبانيا إلى تخفيف بعض القيود التجارية ولكن الحركة التجارية كانت ضئيلة للغاية ومتأخرة للغاية حيث طالب أولئك الذين ينتجون هذه السلع بثمن معقول لهم .

الثورات الأخرى :
بحلول عام 1810م كان بإمكان أمريكا الإسبانية أن تنظر إلى الدول الأخرى ورؤية الثورات بها ونتائجها ، وكان لبعضها تأثيرًا إيجابيًا : فالثورة الأمريكية كان يُنظر إليها من قبل الكثيرين في أمريكا الجنوبية باعتبارها مثالًا جيدًا للمستعمرات تخلصت من الحكم الأوروبي واستبدلت به مجتمعًا أكثر عدلاً وديمقراطية (في وقت لاحق ، اقترضت بعض دساتير الجمهوريات الجديدة بشكل كبير من الدستور الأمريكي ) .

وكانت الثورات الأخرى سلبية : مثل الثورة المريعة في هايتي التي أرعبت ملاك الأراضي في منطقة الكاريبي وشمال أمريكا الجنوبية ، ومع تفاقم الوضع سوءً في إسبانيا ، خشي الكثيرون من أن إسبانيا لا تستطيع حمايتهم في حال حدوث انتفاضة مماثلة .

ضعف الإمبراطورية الأسبانية :
في عام 1788م  توفي الملك تشارلز الثالث وتولى ابنه تشارلز الرابع ، وكان تشارلز الرابع ضعيفًا وغير حاسمًا وغالبًا كان يهرب لممارسة الصيد ، مما سمح لوزرائه بإدارة الإمبراطورية ، وانضمت إسبانيا لفرنسا بقيادة نابليون وبدأت في قتال البريطانيين ، مع وجود حاكم ضعيف والجيش الإسباني مقيد ، هدد ذلك وجود إسبانيا في العالم الجديد بشكل ملحوظ وشعرت الكريول بتجاهل أكثر من أي وقت مضى .

وبعد سحق القوات البحرية الإسبانية والفرنسية في معركة ترافلجار عام 1805م ، انخفضت قدرة إسبانيا على السيطرة على المستعمرات ، وعندما هاجمت بريطانيا العظمى بوينس آيرس عام 1808م ، لم تكن إسبانيا قادرة على الدفاع عن المدينة : وكان على القوات المحلية تدافع عن نفسها .

وكان هناك شعور متنامٍ في المستعمرات كونها مختلفة عن إسبانيا : وكانت هذه الاختلافات ثقافية ، وغالبًا ما اتخذت شكل فخر كبير ، وبحلول نهاية القرن الثامن عشر ، أشار العالم الزائر ألكسندر فون هومبولت إلى أن السكان المحليين فضلوا أن يطلق عليهم الأمريكيون وليس الإسبان ، وفي غضون ذلك ، نظر المسئولون الأسبان والوافدون الجدد بشكل مستمر إلى كريول  باحتقار ، مما زاد من اتساع الفجوة الاجتماعية بينهم .

العنصرية :
في حين كانت أسبانيا عنصرية بمعنى أن المغاربة واليهود والغجر والمجموعات العرقية الأخرى قد طُردت قبل قرون من الزمن ، وكان سكان العالم الجديد خليطًا من الأوروبيين والهنود والسود الذين جلبوا كعبيد ، وكان المجتمع الاستعماري العنصري شديد الحساسية ، ويمكن تحديد وضعك في المجتمع على أساس العرق ، وسمح القانون الإسباني للأثرياء من ذوي الأصول المختلطة بالتميز عن غيرهم ، وتسبب هذا في استياء الطبقات المميزة : والجانب المظلم من الثورات هي أنها خاضت جزئيًا ، للحفاظ على الوضع العنصري  المتواجد في المستعمرات الخالية من الليبرالية الإسبانية .

نابليون يغزو أسبانيا عام 1808م :
غزا نابليون في 1808م أسبانيا وسرعان ما احتل ليس فقط اسبانيا ولكن البرتغال أيضا ، وحل محل تشارلز الرابع شقيقه جوزيف بونابرت ، وكانت إسبانيا التي حكمتها فرنسا بمثابة كتلة غضب حتى بالنسبة إلى الموالين الجدد للعالم الجديد ، وانضم المتمردين إلى الجناح الملكي ، هؤلاء الأسبان الذين قاوموا نابليون توسلوا إلى المستعمرين طلبًا للمساعدة لكنهم رفضوا الوعد بتخفيض القيود التجارية .

التمرد :
لقد جعلت الفوضى في إسبانيا بيئة مثالية للمتمردين ، وقال الكثيرون إنهم موالون لإسبانيا وليس نابليون ، وفي أماكن مثل الأرجنتين ، أعلنت المستعمرات نوعاً ما الاستقلال: زعموا أنهم سيحكمون أنفسهم ، وبالطبع لم يكن هناك تراجع حقيقي من هذه الخطوة وأعلنت الأرجنتين استقلالها رسميًا في عام 1816م .

وكان استقلال أمريكا اللاتينية عن أسبانيا أمرًا مفروغًا منه بمجرد أن بدأت الكريول في التفكير بأنفسهم باعتبارهم أمريكيين وأن الأسبان شيء مختلف عنهم ، وبحلول ذلك الوقت ، كانت إسبانيا في مكان صعب : كانت الكريول تطالب بمناصب نفوذ والتجارة بحرية ، لم تمنحهم إسبانيا أياً منهما .

من بين جميع العوامل المذكورة أعلاه ، من أهمها غزو نابليون لإسباني مما دفع العديد من الكريول المترددين للاستقلال والثورة ، ومع الوقت بدأت إسبانيا في الاستقرار واستعاد فرديناند العرش في عام 1813م ، وكانت المستعمرات في المكسيك والأرجنتين وشمال أمريكا في ثورة دائمة حتى الاستقلال .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *