قصة تحدي الموت

لم يتوقف عن الحياة على الرغم من أن قلبه قد توقف بالفعل ، ولكنه عاد إلى الحياة بفضل الله تعالى ، غير أن تلك العودة كانت قاسية جدًا حيث أنه عاد فاقدًا للذاكرة ، فلم يعرف أهله أو حتى ذاته ، فمضى هكذا لمدة لفترة من الزمن حتى استطاع أن يعود لحياته بشكل فعلي من خلال إتمام دراسته ، ليتحدى بذلك كل إصاباته المؤلمة الناتجة عن حادث مروري ، إنها قصة شاب من المملكة تحدى كل الظروف القاسية ليحصل على شهادات علمية مميزة.

المعاناة بعد حادث مروري :
“على كل إنسان أن يعتبر أن الابتلاء ما هو إلا لخير أراده الله به” ؛ هكذا تبدو نظرة الشاب “راكان البجاد” الذي قضى ثلاثة عشر عامًا ما بين المرض والدراسة ، حيث أنه قد أصيب في حادث سير بعد انتهاء الثانوية العامة نتيجة لقيادة شاب متهور ، وقد عانى كثيرًا من توابع هذا الحادث الأليم  ، حيث أنه دخل في غيبوبة دامت لتسعة أشهر عاش خلالها على الأجهزة الطبية وأنابيب الأكسجين.

كان راكان على مشارف الموت ، لدرجة أن الأطباء كانوا ينتظرون توقف قلبه في أي لحظة ؛ وذلك نتيجة للإصابات البالغة التي أصابت مناطق عديدة في جسده والتي بدت لم تترك شيئًا إلا وهاجمته ، وبالفعل توقف قلب الشاب عن النبض لمدة أربعة دقائق ، فقام الأطباء بإنعاشه على الفور حتى استجاب لهم وبدأ ينبض من جديد .

بعد أن استفاق راكان من غيبوبته وجد نفسه بلا ذاكرة ، حيث أنه لم يتمكن من التعرف على أهله ، وبعد مرور شهرين وهو بتلك الحالة قام الأطباء بإجراء عملية جراحية له في الرأس ، والتي تم من خلالها سحب المياه المتجمعة على مركز الذاكرة في دماغه ، حتى عادت إليه ذاكرته بشكل تدريجي .

كلمات الحياة :
وجد راكان نفسه مقعدًا لا يستطيع الحركة ، فلم يستطع أن يرى نظرات الشفقة من الآخرين ، وهو ما جعله يُقبل على العلاج الطبيعي بتشجيع من أهله ، حتى استطاع بعد مرور عامين أن يمشي باستخدام عكازين ، وذات يوم وبينما كان يراه والده يتعافى أكثر قال له :”عليك أن تختار بين البقاء رهين إعاقتك أو تواجه المجتمع وتتابع حلمك بإكمال دراستك”.

كانت كلمات الوالد هي مفتاح الحياة الذي فتح له كل الآفاق ، حيث أنه قام بتقديم أوراقه إلى جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ، وقد تم قبوله بالفعل وهناك تحدى كل نظرات الآخرين له ومشاكله الصحية التي استدعت استخدام سماعة طبية ليستطيع أن يسمع جيدًا ، حتى استطاع في النهاية أن يحصل على البكالوريوس في مجال التمويل والاستثمار .

تم قبول راكان فيما بعد في وظيفة بهيئة الاستثمار ، كما تم ترشيحه للابتعاث الخارجي من قِبل جمعية الإعاقة السمعية ، وبعد مرور تسعة أشهر من العمل في هيئة الاستثمار قرر راكان بعد استخارته لله تعالى أن يعلن لأهله أنه يرغب قي الابتعاث إلى الخارج لإكمال حلمه ، وكان والده يرفض ذلك في البداية لأنه كان يخشى عليه من المضاعفات الصحية .

أقنع راكان أهله بالسفر ، وبدأ في تعلم اللغة الإنجليزية التي بدت صعبة عليه ، ولكنه تمكن من تجاوز تلك المرحلة ، حتى تم قبوله في جامعة جاكسونفيل Jacksonville الأمريكية ، ليدرس الماجستير في مجال المحاسبة المالية ، وبعد أن تجاوز الفصل الدراسي الأول اكتشف أنه يحتاج إلى عملية جراحية في أحد مفاصله ، فقدم طلب بتأجيل الدراسة وبالفعل تمت الجراحة بنجاح ، وقضى مع أهله إجازة دامت لفصل دراسي كامل .

عاد راكان ليُكمل دراسته التي بدأها في الولايات المتحدة الأمريكية بعد أن تعافى من آثار العملية الجراحية ، وهناك تمكن من تحقيق حلمه حيث حصل على شهادة الماجستير بعد مرور عامين في مجال المحاسبة والمالية بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف ، وهكذا يمضي راكان الذي عاد من الموت ليبني حياته بكل أمل وتفاؤل في مستقبل أفضل .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *