قصة ثورة تركيا الفتاة

عملت ثورة تركيا الفتاة على إلغاء تعليق البرلمان العثماني ، وهو ما أذن ببداية العهد الدستوري الثاني ، وقد كان ذلك بمثابة العلامة الفارقة في حل الدولة العثمانية ، حيث اندلعت هذه الثورة خلال عام 1908م من اتحاد غير متوقع ممن يهتمون بالإصلاح من الأتراك والقوميين .

خلفية تاريخية :
كان السلطان عبدالحميد الثاني يؤمن بضرورة عملية الإصلاح لبلاده ، على الرغم من أنه حكم البلاد حكمًا أوتوقراطيًا ، ولكنه مضى في إصلاحاته من خلال تأسيس المدارس والكليات الطبية ، والعمل على تحسين أوضاع الجيش ، كما سعى إلى زيادة خطوط السكك الحديدية والمواصلات ، وقد كان يسعى إلى تقوية مركزه كخليفة للمسلمين ، وهو ما جعله يسعى إلى توحيد ثلاثمائة مليون مسلم حول العالم ضد أي تدخل أجنبي .

وقد حظي السلطان عبدالحميد بتأييد شعبي قوي من قبل الزعامات الدينية والكثير من الرعايا المسلمين ، غير أنه واجه موجة من الغضب وعدم الرضا من المثقفين ومجموعة كبيرة من رجال الجيش الذين لم يؤمنوا بالحكم الأوتوقراطي ، وتم وضع ثلاثة من التصورات من أجل حماية السلطنة ، فكانت الفكرة الأولى هي الجامعة الإسلامية والتي تستند إلى وحدة المسلمين والتي كان يفضلها السلطان عبدالحميد .

والفكرة الثانية كانت قائمة على الرابطة العثمانية والتي تعمل على إيجاد مواطنة عثمانية عامة مشتركة ولكنها كانت تُشكلّ اتجاهًا مضادًا للحركات القومية والتي لا تشمل المسيحيين فقط بل العرب أيضًا ، وكانت الفكرة الثالثة عبارة عن الرابطة الطورانية والتي تعمل على توحيد الشعوب التركية كلها بما فيهم الأشخاص الذين كانوا يعيشون في روسيا .

التمرد :
كان ضباط الجيش التركي ينظرون إلى الأمور بشكل واقعي ، وقد شعروا بمرارة تدهور أحوال الإمبراطورية ، كما ساءهم عدم قدرة الحكومة على السيطرة على المتمردين البلغار في مقدونيا ، وكانت هناك كذلك حالة من الغضب بسبب عدم انتظام رواتب العسكريين ، وهو ما جعل بعض رجال الجيش ينضمون إلى خلايا سرية تعمل على التخطيط للمستقبل خلال عام 1908م ، وقد تمكن قائد الخلايا من الاتصال بزملائهم الذي يعيشون خارج البلاد في المنفى .

وصلت الأنباء إلى السلطان عبدالحميد والذي لم يدرك آنذاك مدى حجم الكارثة التي ستلحق به ، حيث انفجرت الثورات المتلاحقة بين صفوف الجيش الثالث ، وقد عجزت قوات السلطان عن قمع تلك الثورات التي يقودها رجال الجيش ، حتى جاء يوم 23 يوليو من عام 1908م والذي تمكنت فيه جمعية الاتحاد والترقي من تقديم مطلبهم للسلطان بإعادة دستور 1876م ، حيث استسلم لهم السلطان في اليوم التالي .

لم تستطع الحركة الثورية من عزل السلطان عبدالحميد في تلك الآونة ، حيث أن الجنود المعتمد عليهم يعتبرونه الحاكم والخليفة ، ولكن الحركة الثورية تلقت ضربة شديدة القسوة خلال يومي 5 و 6 أكتوبر من نفس العام ، حيث قامت بلغاريا بالإعلان عن استقلالها عن الدولة العثمانية ، كما أعلنت النمسا ضمها للبوسنة والهرسك ، وهو ما أثار غضب جمعية الاتحاد والترقي (تركيا الفتاة) ، وفي أقل من ثلاثة شهور بدأت السلطنة تفقد أقاليم أوروبية مهمة .

ونتيجة لتلك الأزمات المتتابعة قامت ثورة مضادة خلال عام 1909م ، ولكن الجيش تمكن من سحق تلك الثورة ، كما نجح في عزل السلطان عبدالحميد ومعه شيخ الإسلام الذي كان يمثل أعلى سلطة دينية آنذاك ، غير أن هذا لم يمنع من مواجهة سلسلة من المعارضات المستمرة التي باتت تهدد المصالح العثمانية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *