قصة المرء بعلومه ومعارفه لا بشكله وملبسه

يحكي أنه كان هناك فلاح بسيط ، مشتغلًا بالعلوم والمعارف ، قصير القامة ، لابسًا حذاء طويلاً ، وعمامةً كبيرة ، وبيده عصا غليظة ، تقدم للامتحان مع الأقران ، وبمجرد دخوله في قاعة الامتحان .

الفلاح البسيط في قاعة الامتحان :
سخر منه الطلاب ، ووجهوا إليه سهام النقد والعتاب ، وهو لم يلتفت إليهم ، بل وجّه التفاته ونظره إلى الممتحن وكيفية الأسئلة ، ولبث في مكانه حتى جاء دوره ، فلما تقدم أمام حضرات الأساتذة ، اشرأبت له الأعناق ، وتوجهت إليه الأنظار ، والكل صاغ لما يقول .

ذكاء وثبات وتفوق دراسي :
فكان كلما وجه إليه سؤال أجاب عليه بكل دقة وإحكام ، بدون توقف أو تلعثم في اللسان ، حتى ظهر فضله ، وبان علمه ، وأُعجب الحاضرون بذكائه وثباته ، وحسن إجابته ، وكانت نتيجته أنه حاز على الدرجة الأولى .

المرء بعلومه ومعارفه ، لا بشكله وملبسه :
واعترف أقرانه له ، وبكفاءته واستعداده ، وأيقنوا أنهم أخطئوا في حكمهم عليه ، بالجهل والاستهزاء ، وعلموا بأنه من الواجب ألا يحكم الإنسان على أحد بظواهره ، أي بشكله وملبسه ،بل نحكم على الإنسان بعلومه ومعارفه ، الدالة على قيمته ودرجته ، وقيمة كل امرئ ما يحسنه ..

الحكم على الناس عملاً بقول الله في كتابه الكريم :
وهذا عملاً بقول الحق سبحانه وتعالى ، بسم الله الرحمن الرحيم : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ ۖ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ۖ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ ۚ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) صدق الله العظيم ..

الحكم على الناس في السنة النبوية الشريفة :
وقد قال رسول الله صل الله عليه وسلم : (إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم) .

تواضع الرشيد للعلم ، وتعظيمه للعلماء :
ويذكر أيضا أنه جاء (هارون الرشيد) إلى المدينة المنورة ، التي دفن بها النبي صل الله عليه وسلم ، وكان يعمل بها سيدنا (مالكًا) رضي الله عنه ، وهو الإمام العالم الكبير ، وله كتاب في الحديث يسمى الموطأ يقرأه على الناس فيتعلمون منه ، فأراد الخليفة أن يتعلم عليه ، فأرسل إليه يطلب منه إحضار الكتاب ليقرأه على أمير المؤمنين .

العلم يسعى إليه الطلاب :
فقال الإمام مالك لرسول الخليفة : أقرئه السلام وقل له : إن العلم يسعى عليه الطلاب بأنفسهم ، ولا يجئ إليهم … ثم قام لإمام مالك ، وتوجه إلى أمير المؤمنين ، فقال له الخليفة : كيف أرسل إليك فتخالفني ؟

التواضع للعلم :
فقال له مالك : إني أريد أمير المؤمنين ، يرفع العلم ويعظمه ، حتى يرفع الله قدره ، فقام الخليفة ومشى مع مالك ، إلى منزله ليسمع منه كتاب الموطأ ، فأجلسه معه على المنصة .

فلما بدأ القراءة قال مالك رضي الله عنه ، لهارون الرشيد : يا أمير المؤمنين ، أدركت أهل العلم ببلدنا ، وإنهم يحبون التواضع للعلم ، فنزل الرشيد عن المنصة فجلس بين يديه .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *