قصة اليوم الوطني المجري

يوم 23 أكتوبر من كل عاد يصادف اليوم الوطني المجري ، وبالنسبة لشعب هنغاريا فهو تاريخ يرمز إلى بداية معركة طويلة ومؤلمة من أجل الحرية التي بدأت في العام 1956م ، هذا التاريخ مهم لظهور حدثين مهمين في تاريخ البلاد، الأول محاولة للثورة الديمقراطية في عام 1956 تم قمعها بقوة من قبل الجيش الأحمر ، وفي نفس التاريخ بعد 33 سنة ، إنشاء جمهورية المجر ، وهي الخطوة الأولى الحاسمة نحو بناء الديمقراطية البرلمانية .

تم تحرير المجر من قبل الاتحاد السوفيتي في نهاية الحرب العالمية الثانية في عام 1945م ،  مثل أغلب دول أوروبا الشرقية ، ولم تكن نهاية الاحتلال الألماني ترمز إلى حقبة جديدة من الحرية ، ولكن بداية عقود من سيطرة الاتحاد السوفياتي.

فقد تم تنصيب الحزب الشيوعي بقيادة أفضل تلاميذ ستالين ماتياس راكوزي ” Mátyás Rákosi ” بسرعة في السلطة في بودابست ، استخدم راكوزي أسلوب السلطة الموحدة بشكل وحشي ، وبحلول عام 1949م قد صاغ شكل المجر في جمهورية المجر الشعبية ، وقد تم حظر جميع الأحزاب السياسية المعارضة ، وتم نفي أو قتل أو سجن أكثر من 300 ألف مجري .

تم دعم راكوزي بواسطة الكرملين ،ولكن بدون شعبية في بلده الأصلي وبعد وفاة ستالين في عام 1953م ، تم استبداله بإيمري ناجي ” Imre Nagy “، وهو زعيم أكثر ليونة وجاذبية  في المجر ، وبدأ ناجي عملية إعادة السيطرة السوفيتية ، وتم الافراج عن السجناء السياسيين وتحسين ظروف الحياة المعيشية لشعب المجر وتلاقى دعم شعبي كبير من الشعب المجري ولكنه لم يستمر .

وفي أبريل 1955م تم إرجاع راكوزي إلى السلطة ، ثم استبدل راكوزي بالمتشدد  إرنو جيرو  Erno Gero في عام 1956م ، وفي ظل عهده أصبحت الشرطة السرية في هنغاريا أكثر عدوانية وبدأ السخط الشعبي ينمو ويزداد .

لقد أخلّت سياسة نيكيتا كروشيف Nikita Kruschev  رئيس الاتحاد السويفيتي الخاصة برفع القيود عن ميزان القوى في أوروبا الشرقية ، بدأت البلدان تستشعر فرصة لاستعادة ضبط النفس ، في وقت سابق من عام 1956م ، أدت الانتفاضة في بولندا إلى أعمال قمع  وحشية ، وبعض التنازلات الديمقراطية من المكتب السياسي ، فقد أعطى هذا الحدث إلهامًا لشعب المجر ، مشيرًا إلى أنه في أوروبا ما بعد ستالين قد يكون الاتحاد السوفيتي أكثر تقبلاً للاحتجاجات الشعبية .

كان هناك مجموعة من الأسباب لهذه الاحتجاجات التي بدأت في عام 1956م  ، فقد وضعت الشرطة السرية حالة من الرقابة المشددة على جميع أنحاء البلاد تمليها موسكو فكانت تفرض ما يتم تدريسه في المدارس المجري ، قد قيدت بشدة الاقتصاد المجري ، كما أن الهيمنة السوفيتية قيدت بشدة الهوية الوطنية للبلاد ، وعلى الرغم من أنه بلد متدين للغاية ، فقد حظر الحزب الشيوعي العبادة الدينية وسجن أحد الكرادلة الأكثر شعبية ” Mindszenty ” .

بدأت المظاهرات بمظاهرة احتجاجية للطلاب والعمال في العاصمة بودابست ، واتخذ الكرملين مقاربة دبلوماسية مثيرة للدهشة للاحتجاجات ، وتم إعادة تعيين ناجى رئيسًا للوزراء ووزير الخارجية جانوس كادار ” Janos Kadar ” كان من المأمول أن يرضي هذان السياسيان الليبراليان المتظاهرين ، وفي تنازلات أخرى ، انسحب الجيش الأحمر من موسكو ، وأطلق سراح Mindszenty من السجن ، وسُمح للأحزاب السياسية المتنافسة أن تبدأ من جديد .

وفي 31 أكتوبر ، وأعلن ناجي علناً أنه ينوي سحب المجر من حلف وارسو ، وسرعان ما استقال من الحكومة وأقام إدارة منافسة مدعومة بالدبابات السوفييتية في شرق المجر ، وفي 4 نوفمبر ، سار الجيش الأحمر إلى بودابست لاستعادة النظام .

إن تفاصيل ما حدث خلال الأيام القليلة التي تلت ذلك مشوهة ، لكن يبدو أن الجنود السوفييت تصرفوا بوحشية مرعبة ، وتشير التقديرات إلى مقتل ما يصل إلى 30 ألف شخص ، من بينهم ناجي ، الذي أُعدم ودُفن في قبر لا يحمل أي علامات ، وبحلول الرابع عشر من تشرين الثاني (نوفمبر) ، تمت إعادة تعيين كادار في الحكومة ، وكانت المجر مرة أخرى تحت إدارة سوفيتية .

أرسل القمع في المجر رسالة مشئومة إلى بقية أوروبا الشرقية ، وعلى الرغم من النداءات العامة للحصول على المساعدة من ناجي ، فشلت الولايات المتحدة ودول غربية أخرى في التدخل في بودابست ، وأسباب هذا معقدة ، فقد كانت الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا مشتتة بسبب أزمة السويس  والعدوان الثلاثي على مصر ، وهو أمر اعتبروه ذا أهمية كبيرة .

وأعلن الساسة الأمريكيون إعلانات عامة عن دعم المجر ، ولكن لا شيء أكثر من ذلك ، يبدو أنه من المرجح أن هذه الدول قد حسبت أن التدخل كان سيؤدي إلى حرب نووية شاملة مع الاتحاد السوفييتي ، وهو خطر لم يكن أي زعيم مستعدًا للقيام به .

وتم إرسال رسالة في جميع أنحاء الاتحاد السوفياتي ، أولًا ، سيكون الاتحاد السوفيتي بنفس القدر من السوء  والوحشية كما كان في عهد ستالين ، وثانيًا فإن دول الكتلة الشرقية لا يمكن أن تعتمد على المساعدة من قبل الولايات المتحدة .

سوف يستغرق الأمر 33 عامًا بالضبط لكي يحصل المجريون على الحرية التي طلبوها في عام 1956م ، وفي 23 أكتوبر 1989م ، أعيد دفن جثة إيمري ناجي في جنازة يسير بها 100000 مجري ، كان الاتحاد السوفييتي على وشك الانتهاء ، وبحلول 24 مارس 1990م ، أجرت المجر أول انتخابات حرة لها منذ عام 1945م .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *