قصة بناء باريس

تشتهر باريس بأنها عاصمة السحر والجمال ، وتذخر بالعديد من الأماكن التي تجعلها قبلة للسائحين حول العالم مثل ؛ برج إيفل ومتحف اللوفر ذو القطع الأثرية النادرة ، وقوس النصر المبني في عهد نابليون بونابرت ، وغيرها من المعالم الكثيرة التي تركت بصمتها على تلك العاصمة الرائعة .

ولكن كيف نشأت باريس ، وتطورت عبر التاريخ وكل ما رمت به من محن وهزائم وثورات ، تلك هي قصة نشأتها وتحولها إلى مدينة النور .

باريسي هم السكان الأوائل الذين ارتبط بهم اسمها :
في نهاية القرن الثالث قبل الميلاد ، قامت إحدى قبائل الغال والمعروفة باسم باريس ، ببناء مستوطنة في جزيرة إيل دو لا سيتي ، الواقعة على ضفاف نهر السين ، ولهذا تم ارتباط اسم باريس بهم وأطلق عليها اسمها نسبة لهم .

ومع تواجد المستوطنة باريسي في هذا الموقع الاستراتيجي ، طمع بها الرومان وغزوها في عام 52 قبل الميلاد ، إلا أنهم كانوا مجتمعًا منظمًا للغاية ، وفضلوا خحرق بلدتهم وقبيلتهم على تسليمها إلى يوليوس قيصر .

وفي القرن الأول الميلادي ، قام الرومان بتغيير اسم باريسي إلى لوتيشيا ، وقاموا بتطوير هذه المدينة ، فأنشئوا فيها الطرق وبنوا فيها الحمامات والمدرجات ، على الطراز الروماني المميز .

ولكن بحلول لقرن الثاني الميلادي ، واجهت لوتيشيا عددًا من الغزوات البربرية ، التي دمرت ملامحها الراقية ، فقام سكانها بالاحتماء بالجزيرة وقاموا بإنشاء سور حولها ، لحمايتها من البطش الخارجي ، ومع الوقت تحولت باريس إلى المسيحية ، مع تراجع قوة الرومان في السيطرة عليها ، فاستعادت باريس اسمها مرة أخرى بعدما تركها الرومان في عام 360 تقريبًا.

ومع بدايات القرن الرابع ، عرفت المدينة باسم باريس ، وتولى حكمها بالاستيلاء عائلة فرانك وذلك في عام 486م ، وفي تلك الفترة من حكم آل فرانك ، تطورت لمدينة مرة أخرى ، ومن أجل ذلك هاجمتها غزوات الفايكنج ، ولم يتوقفوا عن تدميرها حتى دفع لهم الملك الفرنسي 7 آلاف رطلاً من الفضة من أجل مغادرتها .

في مواجهة حرب المائة عام والموت الأسود :
ومع بدايات القرن الحادي عشر ، تطورت باريس مرة أخرى ، عمرانيًا وثقافيًا ومعرفيًا ، وتم إعادة رصف شوارعها وتوسعة سور المدينة ، وذلك في عهد الملك فيليب أوغست ، الذي بنيت في عهده قلعة اللوفر ، وتم تأسيس جامعة باريس في عام 1200م ، إلى جانب افتتاح العديد من المدارس والجامعات ، مثل السوربون والتي اشتهرت فيما بعد بالكثير من علمائها وأساتذتها النابغين .

وفي فترة العصور الوسطى كانت باريس ملجأ للتجار ، فكانوا يضعون بضائعهم على طول رصيف نهر السين ، ومع نهاية لقرن الثاني عشر بنيت الكاتدرائية الشهيرة في باريس ، وهي كاتدرائية نوتردام ، وازدهرت المدينة كثيرًا ، لتصبح واحدة من أهم وأكبر مدن أوروبا .

قيام الثورة الفرنسية وإعلان الجمهورية الفرنسية الأولى :
مع حلول القرن الثامن عشر ، ظهر الكثير من مثقفي باريس ، وكانت طبقتهم هي الأكثر شهرة ، حيث عرف عنهم أنهم هم رواد عصر التنوير في باريس ، وكان من بينهم مونتسكيو ودنيس وديدرو وفولتير وغيرهم ، وبقيت مؤلفاتهم مراجعًا علمية في السياسة والفكر .

حتى اندلعت الثورة الفرنسية الأولى مع نهايات القرن الثامن عشر ، ضد الملك لويس السادس عشر ، وذلك بسبب الأزمة المالية الكبرى التي مرت بها باريس ، نتيجة تدخلها في حرب الاستقلال الأميركية ، وبعض الغزوات المتفرقة لبريطانيا ، فزادت الضرائب والأزمة المالية ، ليقع حادث اقتحام الباستيل ، الذي كان بمثابة الشرارة الأولى للثورة الفرنسية .

وكان الباستيل سجنًا تم إنشائه بفرنسا في الفترة من عامي1370م و1383م ، من أجل حماية باريس والدفاع عنها ، ليتحول بعدها إلى سجن لمعارضي السلطة الحاكمة ، وبعض السجناء الدينيين ، وكان الاسم الأصلي له هو الباستيد أي الحصن باللغة الفرنسية ، ولكن عقب سقوطه في يد الثوار ، تغير اسمه بعدما تحول من الدفاع عن المدينة ، إلى قلعة للتعذيب .

مدينة النور وتوافد المثقفين والفنانين على العاصمة الفرنسية :
أدى الاستياء في باريس عام 1848م إلى اندلاع ثورة جديدة ضد الملك لويس فيليب الأول ، استولى بعدها نابليون بونابرت على الحكم في فرنسا ، وأقام الإمبراطورية الفرنسية الثانية ، وتم خلال فترة حكم نابليون بونابرت ، إعادة إعمار باريس وبنائها .

فشهدت باريس نقلة نوعية في البنية التحتية لها ، وأعيد رسم الطرق والشوارع بها ، وتم إحياء الأماكن التي هدمها الإهمال والغزو وخلافه ، ليحل محلها أماكن جديدة تنعم بالطراز المعماري الحديث ، فشهدت باريس في هذا الوقت بالقرن التاسع عشر ، تحولاً جذريًا في طرازها المعماري والتاريخي كذلك .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *