قصة ألمانيا وضحايا الإبادة الجماعية الناميبية

بعد أكثر من قرن من الزمان أعادت ألمانيا الآن بقايا ضحايا الإبادة الجماعية الاستعمارية في ناميبيا حاليًا ، والتي خلفت عشرات الآلاف من القتلى ، وفي 29 أغسطس الحالي قبل ممثلو الحكومة الناميبية عدد 19 جمجمة من جماجمً ضحايا الإبادة الجماعية ، وخمس هياكل عظمية كاملة .

بالإضافة إلى بعض شظايا العظام والجلد ، وذلك في إحدى الكنائس في برلين وقد احتفظت الجامعات والمستشفيات الألمانية بهذه البقايا لعقود من الزمن ، بعد استخدامها في سلسلة من التجارب المبنية على إثبات التفوق العنصري المفترض لدى البيض في القرن العشرين .

حيث خطب المطران اللوثري الألماني بيترا بوس هوبر خلال الاحتفال وقال  : نعتزم القيام بشيء ما اليوم كان يجب أن نفعله منذ سنوات عديدة ، ألا وهو إعادة رفات البشر للأشخاص الذين أصبحوا أول ضحايا للإبادة الجماعية الأولى في القرن العشرين .

فهذه الجماجم تحكي قصة الماضي الاستعماري الوحشي ، والقمع المتتالي للشعب الناميبي ، ثم أكمل الأسقف إيرنست غامكساموب من ناميبيا وقال : “لن يحدث ذلك مرة أخرى! ، إن قصة إبادة “هيريرو وناما” هي في الواقع قصة وحشية وهي قصة غالبًا ما يتم تجاهلها .

أصل الحكاية :
بدأت المشكلة في عام 1904م عندما تمرد شعب هيريرو وناما الأصلي في ناميبيا الحالية ، ضد أسيادهم الاستعماريين الألمان بعد حوالي عقدين من الاستغلال والإساءة ، إلى جانب عدد من المناوشات بين الجانبين ، ولكن بعد انتفاضة عام 1904م تحولت المناوشات إلى حرب شاملة .

وهنا أرسلت الحكومة الألمانية بسرعة القائد العسكري لوثار فون تروثا إلى المنطقة مع 14ألف جندي ، وتمكنوا من إخضاع هيريرو وناما ، لكن الانتصار العسكري لم يكن كافيًا بالنسبة إلى تروثا والألمان ، الذين قاموا بعد ذلك بحملة إبادة تهدف إلى القضاء على هيريرو وناما بالكامل .

حيث قال تروثا في عام 1904م : “أعتقد أنه يجب إبادة الأمة بحد ذاتها ، وإذا لم يكن ذلك ممكنًا بالتدابير التكتيكية ، فيجب طردهم من البلاد” ، وعلى مدى السنوات الثلاث قامت القوات الألمانية بتسميم الآبار بشكل منتظم ، وقتل المدنيين وأخذت الرجال أسرى ، ودفعت النساء والأطفال إلى الصحراء حيث كانوا يموتون جوعًا هناك .

كما بنوا معسكرات اعتقال للبقية ، الذين كانوا بالتأكيد يمرضون ويموتون من التعذيب وسوء التغذية ، ومن المحتمل أن لا يكون عدد الوفيات الناتج عن ذلك معروفًا على الإطلاق ، حيث تتراوح التقديرات الحالية بين 25 ألف و100 ألف (أو ربما 75٪ من سكان هيريرو ونصف ناما .

وبعد ذلك تم إرسال بقايا عدة مئات من هؤلاء الضحايا إلى ألمانيا ، حيث تم استخدامها في تجارب عنصرية غير آدمية ، مصممة لإظهار أن الأوروبيين كانوا متفوقين عرقيًا عن الأفارقة ، وبعض هذه البقايا هي بالضبط ما أعادته الحكومة الألمانية الآن إلى بلدهم ناميبيا .

ويمثل هذا واحدة من ثلاث عمليات إعادة توطين قدمتها ألمانيا إلى ناميبيا منذ عام 2011م ، إلا أن الحكومة الألمانية رفضت مرارًا دفع التعويضات ، متعللة بمئات الملايين التي أرسلتها كمساعدات إلى ناميبيا منذ استقلالها عن جنوب أفريقيا عام 1990م .

وترى الحكومة الألمانية أن استخدام مصطلح” الإبادة الجماعية ” لا يترتب عليه أي التزام قانوني بالتعويضات ، وإنما يترتب عليه التزامات سياسية وأخلاقية لشفاء الجراح ، وقد قال روبرشت بولنز المفاوض الألماني في محادثات ناميبيا في عام 2016 : “نحن ملتزمون بهذا الموقف” .

ورفضت ألمانيا تقديم اعتذار رسمي رغم أن الممثلين الألمان أعربوا عن ندمهم ، واعترفوا بالأحداث باعتبارها إبادة جماعية ، لكن الحكومة قالت أنها لا تزال تجري محادثات مع حكومة ناميبيا ، بشأن الشكل الذي يجب أن يتخذه هذا الاعتذار بالضبط ، وفي الوقت نفسه يقول ممثلو Herero و Nama إنهم لم يدرجوا في هذه المناقشات على الإطلاق ، بل رفعوا دعوى ضد ألمانيا في عام 2017م على أمل الحصول على تعويضات .

وأيضًا الخوض في محادثات الاعتذار ولم يقرروا بعد ما إذا كانت تلك الدعوى ىستذهب إلى المحكمة أم لا ؟ لكن مؤيدي هيريرو وناما جادلوا بأن حفل الإعادة في 29 أغسطس (آب) سيكون فرصة مثالية لألمانيا للاعتذار عما فعلوه ، وقالت إستر أوتجيوا موينجانغ رئيسة مؤسسة أوفاهيريرو للإبادة الجماعية : ستظل تلك الإبادة الجماعية جريمة تؤرق ضمير البشرية مهما حدث .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *