قصة زوجة الريح الخريفية

ودع المرأة وبدا دهليز الفندق وممراته في هدوء مرآة ، تنعكس على صقالها سحب الخريف الشاحبة الماضية سريعًا ، وعلى نحوما لم يحسب بأن كل شيء على ما يرام فيما يتعلق بالعودة إلى غرفته في الطابق الثاني فحسب !

نبذة عن المؤلف :
قصة من روائع الأدب الياباني ، للأديب الياباني العالمي ، الحاصل على جائزة نوبل في الأدب عام 1968م ، ياسوناري كاواباتا ، كانت بداية كتاباته أثناء دراسته الجامعية في جامعة طوكيو الإمبراطورية ، ففيها نشر قصته القصيرة الأولى مشهد من جلسة أرواح ، بدأ كواباتا بلفت الانتباه إليه ، بعد تأليفه لعدة قصص قصيرة وهي بلد الثلج ، طيور الكركي الألف ، ويعد ياسوناري كاواباتا هو الأديب الياباني الذي ترجم له أكبر عدد من الأعمال الياباني إلى اللغة العربية ، وتوفي كواباتا في 16 ابريل عام 1972م .

زوجة الريح الخريفية :
توقف عند الجزء المسطح القاصل بين منعطفات الدرج ، والتقط أبعد كتاب لجهة اليمين من رف الكتب ، أوشك صرار أن يثبت عليه ، كان الكتاب دائرة معارف ، وفي الصفحة التي فتحها عليها ألفى هذه المادة ( زوجة الريح الخريفية ) شاعرة من شاعرات قصائد التانكا الفكاهية ، تنتمي إلى مرحلة إيدو ، ابنة أخي داموجايا فوميرو من يوشيوارا ، زوجة كابوتشا موتو ناري ، أطلق عليها الاسم باعتبارها مؤلفة قصيدة مطلعها : زفيف الريح ينبيء بقدوم الخريف ، ويفض ختم الشهر السابع ، وينثر وريقة شجرة بولفينية وحيدة ، وهي مؤلفة من العديد من قصائد الواكا كذلك .

مواد تجميل :
يالها من مادة تافهة ! لم يتفهم القصيدة بصورة حقيقية ، عندما تكون في رحلة مضجرة ، فإنك تلتقط كل أنواع المشهيات من المعلومات التي لا ضرورة لها ، هكذا مضى يحدث نفسه ، وواصل صعود الدرج ، في غرفته كانت هناك رائحة مواد تجميل ، وفي سلة المهملات ، إلى جوار منضدة التزين ، كانت هناك شعرات عديدة صغيرة ملتفة ، .. طيب ، هل سقط كل هذا العدد منها ، كم هذا محزن !.

شعرات متجعدة :
جمعها ملتقطا إياها من السلة ، ربما قامت السيدة ، التي أدهشها تساقط شعرها ، بلفها حول أصبعها ، فيما تنظر إليها ، فقد بدت الشعرات متجعدة في دوائر مشدودة ، مضى خارجًا إلى الشرفة ، انطلقت السيارة التي تركبها المرأة على امتداد الطريق الرئيسي الأبيض .

أغمض عينيه اليمنى ، ووضع دائرة صغيرة من الشعر قبالة عينه اليسرى ، وقد ضيق هذه العين كأنه ينظر خلال عدسة ، ومن خلال هذه ، مضى يتابع السيارة البعيدة ، فلاحت كزهرة لعبة معدنية ، وأحس بشكل ما أنه مسرور كما لو كان طفلاً ، ولكن الشعر كانت له رائحة عفنة كأنما المرأة التي لم تغسل شعرها منذ وقت طويل ، بدت الرائحة موحية بالعناء ، وكان قد حل بالفعل ذلك الفصل من السنة الذي يمكن فيه لو أنه كان قد وضع رأس المرأة في حجره أن يجفل حيال برودة شعرها .

الموت والقوة الروحية :
كانت علاقتهما من الاقتصار ، بحيث أنه يفعل شيئًا إلا أنه أعارها حجرته ، لمدة نصف ساعة ، وكان زوجها يعاني من ذات الرئة ، وقد جاء إلى هذا الفندق تغييرا للجو ، وإذ تباهى بقوته الروحية ، وأصر على أنه بمقدوره أن يتغلب على مرضه بقوة إيمانه ، فإنه ما كان ليتركها تغادر مكانها ، بجواره لحظة واحدة ، غير أن الموت كان قد غدا قاب يومين ثلاثة أيام فحسب ، وتعين على الزوجة أن تعود إلى دارها في طوكيو لإعداد الترتيبات الضرورية ، وربما كان الأمر متعلقًا بالمال ، وبأمور أخرى مثيرة للضيق من هذا القبيل .

قلب أليف وجمال أليف :
وقد جاءت سرًا إلى غرفته ، حيث كانت قد تركت طقما من الملابس ، وارتدتها استعدادا لرحلتها ، وانسلت خارجة من الفندق ، ، أقبلت المرأة التي ارتدت على الدوام رداء أبيض سابغا ، يغطي باقي ملابسها ، وانصرفت سيرا في ممرات الفندق ، بمحيا تعلوه الكآبة ، وفي هذا المكان الذي يعد صرعة ، والحافل بالزوار الأجانب صيفًا وشتاءً ، فإن قوامها الذي تهيمن عليه الكآبة قد دخل قلبه بجماله الأليف ، حقًا إنها كانت زوجة الريح الخريفية .

كان طرف النتوء الجبلي قد حجب السيارة عن ناظريه ، أماه .. أماه ..! انطلق صبي انجليزي في الرابعة من عمره ، أو الخامسة يعدو في المرجة ، وهو يهتف بصوت صاف كالبلور مناديا أمه ، وأقبلت وراءه الأم بصحبة كلبين بكينين ، جعله لطف الطفل الشفاف يفكر في أن اللوحات الغربية العتيقة التي تصور ملائكة ليس إبداعات مختلفة .

أشجار الصنوبر :
وذكرته المرجة الزاوية ، وإن بقيت بعض الخضرة في قلبها ، بالصمت الذي يسود ديرا رحلت عنه الراهبات ، انطلق الطفل والكلبان إلى غابة الصنوبر ، فيما يتجاوز الغابة ، كان ينبغي أن يكون هناك شريط قاتم الزرقة ، ممتد من البحر ، ترى هل ارتفعت الأطراف العليا لأشجار الصنوبر خلال السنتين أو الثلاث التي انقضت منذ مجيئه إلى هنا آخر مرة ، بحيث حجبت عن العيان؟ من اتجاه ذلك البحر المحتجب مضت السماء تتشح بالسحب بسرعة مخيفة.

رقصة الفالس :
وإذ أوشك على العودة إلى حجرته تناهت إلى سمعه موسيقى راقصة ، كان موعد احتساء الشاي قد حل ، ولكن ما من نزيل واحد قد نزل لشربه ، أضيئت الأنوار بالفعل في القاعة ، وعبر النافذة الزجاجية كان بمقدوره أن يلمح كبير الكتبة ، وامرأة بدا أنها كبيرة المشرفات على العناية بالغرف ، وهما الثنائي الوحيد في القاعة ، وهما يرقصان فالس ، وقد ارتدت المرأة ممتلئة القوام ، رداء غربيا لا يناسبها ، فيما حول العجيزة ، وبدا أنها راقصة سيئة الأداء للغاية.

إعصار خريفي :
دلف من الشرفة إلى الغرفة ، ورقد في الفراش ، مرخيًا رأسه على مرفقه ، تمهيدًا للنوم ، وعندما استيقظ ، تناهى إلى سمعه حفيف الوريقات المتساقطة من الأشجار ، والريح تتلاعب بها ، على الأرض في الحديقة في الجزء الخلفي من الفندق ، قعقعت الأبواب الزجاجية ، وكانت هذه الأصوات نذيرًا بإعصار خريفي ، ترى كيف حال هذا المرض ؟ هل عادت زوجته ؟

حب طاغ :
ساور شعوره بعدم الارتياح ، وإذ أوشك على الاتصال هاتفيًا بمكتب الاستقبال ، أحس على نحو ما ، بعينين تتطلعان إليه من أعماق الخريف ، وساوره فجأة ، وبشكل موغل في التمرد ، شعور بحب طاغ واستحواذي نحو المرأة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *