قصة الحاكم بأمر الله غريب الأطوار

الشخصيات التاريخية مليئة بالغموض ، والأحداث والقرارات الغريبة ، خاصة مع هذا الحاكم ، الذي تولى السلطة وهو صبيًا صغيرًا ، لم يتجاوز عمره الثانية عشر عامًا فقط ، وذلك بتوصية من والده ، العزيز بالله الفاطمي ، والذي دفعه لتولي سلطة الدولة الفاطمية ، التي كانت في هذا الوقت ، تمتد بين أقصى المغرب غربًا ، وأقصى الشام شرقًا ، ليصبح في تلك الحقبة هو السلطان الأغرب في التعامل ، والأطوار كما وصفته صفحات التاريخ .

أيام الحاكم :
كانت فترة حكم الحاكم بأمر الله الفاطمي ، طيلة فترة ربع قرن كامل من الزمان ، مرت خلالها الدولة الفاطمية في عهده ، بالكثير من الأمور السياسية الشائكة ، والاضطرابات التي كان له يدًا فيها ، وذلك بسبب تقلباته الفكرية والسياسية المتأرجحة ، ولعلها كانت هي أسباب نهايته .

تولى الخليفة الطفل الحاكم بأمر الله ، ولايته عام 386هـ ، وبالطبع نظرًا لصغر عمره ، سخر منه الحسن بن عمار ، زعيم قبيلة كتامة ، ابنة المغرب وذات اليد المهمة في شؤون الدولة .

هنا قام الحسن باحتكار كافة المناصب المهمة ، لكل أبناء قبيلته وأتباعه ومن يهمه أمرهم ، داخل الدولة عندما علم بأمر تولي ، الخليفة الطفل للدولة ، ولكن قام خصوم الحسن بن عمار ، بتجميع بعضهم بعضًا وهاجموه ، مما تسبب في فراره منهم ، وانطلق صوب القاهرة ليختبئ فيها ، فقام برجوان بإخفائه منهم ، وطلب منه ألا يخرج من المنزل ويلتزم به فقط .

لم يمض الكثير من الوقت ، حتى ذهب برجوان للخليفة الصغير ، وذهب به للقصر ليجدد له البيعة ، وأرسل جيوشًا لقمع التظاهرات ، في أماكن متفرقة من البلاد ، وهزم الروم الذين أتوا لملاقاته ، عقب أن استنجد بهم المعارضون ، لينتهي الأمر معهم بعقد هدنة مدتها عشر أيام .

لم يمض الكثير من الوقت ، حتى أمر الحاكم الصغير ، بقتل عددًا من كبار رجال الدولة ، ثم أمر بقتل الحسن بن عمار ، ولم تمض سوى ثلاث أعوام ، حتى أمر بقتل الممسك بمقاليد الأمور برجوان !

مضت الأعوام وأصبح الصبي الصغير ، شابًا يافعًا وباتت قبضته على الدولة ، أكثر إحكامًا من ذي قبل ، وأخذ ينفرد بصلاحيات وسلطات أوسع ، وذلك وفقًا للمذهب الشيعي ، الذي كان الفاطميون يدينون به ، لذلك لم يكن الحاكم بأمر الله ، مجرد حاكمًا سياسيًا فقط ، بل كان ولي أمر وأحد أئمة أهل البيت ، له أيضًا ممارسة الطقوس الدينية .

بدأ الحاكم بأمر الله في إظهار نزعته الشيعية مبكرًا ، فأمر بتعليق لافتات لسب أبو بكر الصديق ، وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان ، في كافة ربوع الدولة ومساجدها تحديدًا ، وتم إشهار هذا الأمر للناس .

وعقب أن لامه حاكم إفريقية ، فكر الحاكم بأمر الله في استمالته من أجل إدارة شؤونه فقط ، فأرسل له وطلب اثنين من أهل السنة ، لتعليم الناس ، ثم انتظر فترة من الوقت بعد ذلك ، وبعد أن أتم غايته وأمر بقتلهما .

كان بعض الولاه من أماكن متفرقة ، يحاولون الالتفاف حول الحاكم بأمر الله ، وكان أشهرهم هو حمزة بن علي ، الذي أسس مذهب الدروز ، الذي يدين به البعض في سوريا ولبنان حتى الآن ، وكانوا هؤلاء يخبرون الحاكم بأمر الله ، بأنه هو الله على الأرض ، وزينوا له ذلك بقوة .

كان أغلب الولاة يستترون في المذهب الشيعي ، خوفًا من بطش الحاكم بأمر الله ، ويتعاملوا مع سطوة الحكم الفاطمي ، بحذر شديد ، فهم كانوا يحبون أهل البيت ، دون مزايدة منهم ، ولكنهم في أحد الأيام ، أظهروا ولاء شديدًا للحاكم بأمر الله ، فادعوا ألوهيته مما تسبب في اضطرابات شديدة للغاية ، داخل القاهرة دفع بعض العامة من الناس ، بالفتك بعدد من هؤلاء الولاة ، ولاحقًا تنصل منهم الحاكم بأمر الله  ، بناء على نصيحة من مستشاريه ، الذين رأوا في الأمر ، خطورة على حياة الحاكم .

غرائب الحاكم بأمر الله :
لم تكن تعاملات الحاكم بأمر الله عقلانية قط ، بل كانت شديدة الغرابة للغاية ، ولكن ما رواه المؤرخون بشأن تلك الغرابة ، بالطبع حدث عليه إضافات من جانبهم ، فأصبح حاليًا من الصعوبة ، التمييز بين ما هو واقعي وحقيقي ، وبين ما هو خيال محض من جانب المؤرخين .

روى المؤرخون أشهر غرائب الحاكم بأمر الله ، فقالوا أنه ظل سبع أعوام يرتدي الصوف فقط ، وظل فترات طويلة لا يطيق استخدام الشموع ، ويشعر بالارتياح عند الجلوس في الظلام ، وفي كتاب الذهبي في سير أعلام النبلاء ، ذكر أن الحاكم بأمر الله قد أمر بقتل الكلاب في عام 395هـ ، ثم أمر العامة ومنعهم من تناول وتجارة الملوخية ، وقتل البعض من التجار ، الذين باعوها سرًا !

لم يكتف الحاكم بأمر الله عند ذلك فقط ، بل منع أيضًا تجارة الرطب ، وأعدم كميات كبيرة منه ، ثم أمر بحرق الكروم أو تناوله ، وفي عام 404هـ أمر نفى كل المنجمين ، على الرغم من ولعه الشديد باستقراء النجوم ، وأمر أيضًا بمنع صلاة التراويح لعشر أعوام كاملة ، ثم أباحها مرة أخرى .

كانت علاقة الحاكم بأمر الله ، شديدة الاضطراب ، فقد استيقظ ذات يوم وأمر بهدم كافة الكنائس المقامة ، في أنحاء المعمورة حتى كنيسة القيامة الموجودة بالقدس ، وعقب فترة من الوقت أمر مرة أخرى ، بإعادة ترميم ما تهدم منها .

كما أنه أمر المسيحيون في فترة ، بارتداء صلبان ثقيلة للغاية في رقابهم ، وأمر اليهود بارتداء قلادات أشبة برأس العجل ، الذي عبده بنو إسرائيل ، ثم انتظر فترة وأمر المسيحيون ، إما باعتناق الإسلام ، أو النفي إلى بلاد الروم ، إلا أنه تراجع كعادته عن هذا القرار ، عقب مرور فترة من الوقت ، ثم منع أهل الذمة من امتطاء كافة البغال ، التي يمتطيها المسلمون ، وكذلك ألا  يستخدموا الوسائل العادية ، التي يستخدمونها .

كما أمر الحاكم بأمر الله ، بعدم خروج المرأة من المنزل ليلاً أو نهارًا ، إلا لحاجة قوية للغاية ، وإذا ما خرجت يجب عليها أن تنال ، إذنًا من القاضي ، ومن أجل ضمان تنفيذ هذا الأمر ، أصدر الحاكم قرارًا بمنع تصنيع أحذية النساء ، وظل هذا الأمر ساريًا سبع أعوام ، حتى وفاة الحاكم .

كانت قرارات الحاكم غريبة للغاية ، طيلة فترة حكمه لخمس وعشرين عامًا ، لم تفلت من بينها أية شريحة من شرائح المجتمع ، فالكل نال نصيبه من غرابة الأطوار ، والقرارات المستفزة والمجحفة للحقوق ، من رجال ونساء ، مسلمون وأهل ذمة ، لا تفريق بينهم في العرق أو الجنس أو الدين ، حتى من البيت الفاطمي نفسه .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *