قصة الفراشة الصفراء

عندما يهبط الليل ويحل الظلام ، تقعد أوسا الصغيرة وهي تعقد يديها حول ركبتيها ، وترتعد من الخوف والرعب إذ تتخيل الأشجار شياطين ، وتتصور الغابة مليئة بالعفاريت ، وهي تظل في مكانها هذا دون حركة ولا تغادره إلى أن تنام ، وتأتي أمها لكي تحملها إلى فراشها .

أوسا بالنهار :
أما بالنهار فهي عفريته صغيرة وشيطانه شجاعة ، تجرى هنا وهناك تتسلق الأشجار وتمسك بالحشرات وتصطاد الطيور وتطارد الحيوانات ، وذات يوم ضلت أوسا طريقها أثناء عودتها من الغابة إلى البيت ، ولم يفلح العقد الأحمر الذي أهدته لها أمها ، في أن يبث في نفسها شيئًا من الشجاعة ، أو يزيل منها الجبن والخوف ، وظلّت تسير باحثة عن الطريق الذي يقودها إلى منزلها غير أنها لم تعثر عليه .

الشجرة وصاحبها العجوز :
لمحت على البعد أضواء ، تنبعت من فوق شجرة ، وعندما مضت نحوها اكتشفت أنها زجاجات تنعكس عليها أشعة الشمس , قالت متسائلة : أتكون هذه شجرة الزجاجات التي سمعت عنها ؟ إنها كثيرًا ما يتحدثون عنها ! وعن صاحبها العجوز هل تجده هناك ويدلها على الطريق .

أوسا والعجوز :
مضت نحو الشجرة وإذ بها تلقاه ويستقبلها ، قائلًا: أهلًا يا أوسا هل اجتذبتك الأضواء كالفراشات ؟ سألته أوسا : كيف عرفت اسمي ؟ إنني أعرف الكثير عنك ، وأنا أيضًا سمعت أن لديك أعشابًا تشفي من الأمراض كما أنك قادر على تفسير الأحلام .

أوسا تذهب للفراش :
هذا ما يقوله الناس ، هل يمكن أن تساعديني في فرش هذه الأعشاب من أجل أن تجف ؟  يسرني ذلك كثيرًا ، أخذت أوسا تعاون الرجل العجوز ، وظلت تعمل طويلًا دون أن تتنبه إلى أن الشمس تقطع رحلتها من الشرق إلى الغرب بسرعة ، وقد نسيت ذلك لأنها أخذت تتبادل الحديث مع الرجل العجوز ، وقدم لها بعض الطعام والشراب ، وشعرت بعد ذلك بالتعب فجلست لتستريح ، وإذا بها تغفو وتنعس فحملها العجوز إلى الفراش .

الغابة ليلاً :
وعندما استيقظت قرب الظهر ، قال لها : لقد أديت عملك في براعة ، وكنت شجاعة ، وأنت تتسلقين السلم وتسندينه إلى الأشجار لقطف أوراقها ، إنني شجاعة بالنهار جبانة بالليل ، أنا أيضًا أخاف الغابة ليلًا ، هي تخفي أشياء كثيرة مزعجة ، إذ تتجول فيها الحيوانات وتحملق بعينيها ، والشرر ينبعث منهما .

الفراشة الصفراء :
ابتسم العجوز وهو يقول لها : هل ترين هذه الفراشة الصفراء ، نعم إنها جميلة جدًا ،  وصغيرة جدًا ! ومع ذلك فهي تحلق وتطير ولا تخشى السقوط والوقوع على الأرض .. تطلعت إليها أوسا وهي تقول :  لا بد أن فيها سرًا ما أنا شخصيًا ليس عندي جناحان أطير بهما ، وأهرب من الخوف ، يجدر بك أن تجدي سبيلًا للتغلب عليه ومواجهته ، إنني أتمنى ذلك ليتك تساعدني ، راقبيها ، تابعيها .

أوسا والفراشة الصفراء :
جلست أوسا تنفض التراب عن الأعشاب التي جفت ، وغفلت من جديد وإذا بها تحلم بالفراشة الصفراء ، وهي تطير في ضوء الشمس ، وكأنما ينبعث من داخلها وكأنها تحمله معها أينما توجهت ، واقتربت منها الفراشة الصفراء تريد أن تسألها عن شئ ، أو تريد أن تقول لها بعض كلمات ، وفي صوت رقيق ناعم همست الفراشة : تعالي ورائي يا أوسا .

بكاء وخوف أوسا :
إلى أين ، ستعرفين !  مضت الفراشة الصفراء وأوسا من ورائها ، تتعقبها طارت في طرق ضيقة مظلمة ، وهي من خلفها كأنها تطاردها ، وفجأة أحست أوسا بشيء يجذبها من كتفيها ، وانتابها فزع شديد فتلفتت إلى الوراء وإذا بغصن شجرة أمامها ، وفجأة وجدت أنها قد فقدت الفراشة الصفراء إذ اختفت ، ولم تعرف الطريق الذي سلكته وضاع منها الضوء الذي كانت تستدل به ، وتجرى على هداه فما كان منها إلا أن قعدت على الأرض ! وعقدت يديها حول ركبتيها ، وبدأت تبكي وبعد قليل رأت نفسها ترقد حيث هي على التراب وأوراق الشجر ، وأحست به دافئًا مريحًا لطيفًا ثم شعرت أن شيئًا ما في داخلها يتغير!

أوسا والطيران :
وتساءلت : ماذا يحدث لي ؟ وجدت أن نقطة مضيئة قد بدأت تظهر في داخلها ، وأن هذه النقطة تكبر وتكبر كأنها شمس صغيرة ، مثل تلك التي كانت في قلب الفراشة الصفراء ، وأحست بنفسها خفيفة لطيفة قادرة على أن تطير في الهواء ! وهي تحرك ذراعيها كأنما هما جناحان رقيقان وارتفعت إلى أعلى إلى ما فوق الأشجار الباسقة العالية.

العجوز ينقذ أوسا مرة أخرى :
ولاحظت أثناء طيرانها أن الليل قد حل ، لكن الدنيا ليست مظلمة جدًا ، حيث كانت أوسا تتصور أو تتخيل ، رأت نورًا متناثرًا هنا وهناك ، وتسلل بعض الأمان والاطمئنان إلى نفسها ، واستمرت تطير محلقة وعندما فتحت عينيها ، وجدت نفسها في فراش العجوز .

هل أنقذها مرة أخرى ؟ أم تراها لم تغادره ، أين الحلم ، وأين الحقيقة في كل ما رأته ، هل هناك حقًا فراشة صفراء ! أم أن الأمر مجرد خيال ، وهل يمكن أن تكون قد طارت فعلًا ، أم أن الحكاية حلم طاف برأسها ، تطلعت هنا وهناك باحثة عن العجوز .

أوسا بين الحلم والحقيقة :
ما أكثر ما تنام خلال أيام الصيف الحار نهارًا ، لماذا لا تدخر النوم إلى الليل لتهرب من ظلامه ومن الخوف خلاله !  لمحت أوسا العجوز نشيطًا ما زال يواصل عمله في جد واجتهاد ، وأحست أنه إنسان عظيم وطيب بل رائع فغادرت مكانها إليه .

سألها : هل رأيت أحلامًا جميلة خلال نومك ؟ نعم .. وحكت له كل ما حلمت به ، وحدثته عن الفراشة الصفراء ، وكيف تتبعتها ثم فقدت أثرها وروت له كيف أن داخلها قد أصبح مضيئًا ، وأنها تمكنت من أن تطير وأضافت : قلت لي : إني سأكون ذات يوم ، أقصد ذات ليلة  شجاعة .

أوسا والنور المضيء :
نعم ، لقد حدث ، كان العجوز ينظر إلى أوسا وهي تستعد لتغادر المكان إلى بيتها فقال لها : سوف يأتي الليل وأنت على الطريق ،  فليأت لست أخشاه ،  والظلام والأشباح ، إني كنت أخاف حين لا يكون هناك نور من حولي ولكني أشعر الآن أن هناك نورًا بداخلي .

هتف : ماذا، قلت لك : إن شمسًا نبتت بقلبي ، وإن نورًا يشع منها لا يضئ ما بداخلي فحسب ، بل والطريق أمامي ويبدد الظلام فيما حولي .

أوسا الشجاعة :
هذا شئ رائع يا أوسا أنت وأنا الآن أصبحنا أصدقاء ، وأنت قادرة على أن تزوريني حتى في منتصف الليل ، لن يكون هناك أيسر من ذلك وسوف أستدل عليك من ضوء النجوم ، وهي تنعكس على زجاجات الشجرة وتملؤها بالنور .

سأنتظرك يا أوسا ، لوحت أوسا بيدها مودعة الرجل العجوز ، ومضت على الطريق شجاعة ثابتة الخطأ لا تخاف أحدًا ، ولا تخشى شيئًا وكانت عيناها تخترقان الظلام والنور يطل منهما فتخشاها الحيوانات ، وتفاداها وتخلى لها الطريق ، وكان صوتها يرتفع أحيانًا بالغناء فيؤنسها ويفرحها ويبهجها ، ويزيدها شجاعة على شجاعتها ، وكانت أغصان الشجر تنحني لها أثناء سيرها ، بل إن بعضها كان ينحني تحية وتقديرًا .

أوسا تعود إلى بيتها آمنة وشجاعة:
وعندما وصلت إلى البيت وجدت أمها في انتظارها ، وهي قلقة وما إن رأتها حتى صاحت فيها : أين كنت كل هذا الوقت إلى أن حل الظلام ؟ كنت أبعده واهزمه وأساعد الرجل العجوز على تجفيف أوراق الشجر ، وأطارد الفراشة الصفراء بحثًا عن الطريق.

وماذا عن خوفك من الظلام ؟! الظلام ، أي شئ هو ، وما الذي يخيف فيه ، كنت ترتعدين منه ؟ كان ذلك قبل أن توجد الشمس بداخلي ، وقبل أن يشرق النور في صدري لقد تعبت وأريد أن أرقد في فراشي ، ألن تقعدي وتعقدي ذراعيك حول ركبتيك وتنامي ، حيث أنت وأحملك إلى سريرك ، لا لا سوف أمضي إليه هادئة ، وفي عمق وأنا ملتحفة بالظلام .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *