قصة الحارس الأمين

لم يلتفت أي فرد في القاطرة إلى الشخص الذي يحمل بين ذراعية طفلين هزيلين فكل واحد منهم غارق في همومه ، التي تكفيه لقطع مسافات طويلة ، هذا ما حدث في قطار المساء بين مدينتين في منطقة الرور ، كانت المنطقة رهيبة بمصانعها الميتة وكان يومًا قاسيًا ، بدا فيه الجميع في غاية الإرهاق .

نبذة عن المؤلف :
قصة من روائع القصص الألماني العالمي ، للمؤلفة آنا سيغرس ، ولدت سيغرس في مدينة ماينز، عروس نهر الراين ، في عام 1900م ، درست الفلسفة وحصلت على الدكتوراه فيها عام 1924م ، نشرت أول مؤلفاتها عام 1928م بعنوان : انتفاضة صيادي السمك في سانت بربارا ، ومن أشهر مؤلفاتها : رفاق السفر ، الإنقاذ ، عبو ، الأزرق الحقيقي ، وفارقت سيغرس عالمنا ورحلت عام 1983م .

في المحطة القادمة ازدحمت القاطرة كليًا ، واندست بين الركاب فتاة في مقتبل العمر نحيلة القوام ذات وجه رقيق ، أما الرجال فكانوا أفظاظاً كان بإمكانها أن تفرح ، لأنها لم تسحق وسط الباحثين بغضب عن مكان ، وحين شاهدت الرجل مع الطفلين ، لاحظت أنه مريض بل ومرهق حد الموت .

مساعدة بدون مقابل :
انتزعت منه الطفلين وحاولت رفع الجزء العلوي من جسدها ، كي تهدهد الطفلين بعض الشيء ، أنت طيبة ، تبدو مريضًا لماذا تسافر؟ لقد وجدت عملًا يا فتاة ، تصوري عمل طوال خمس سنوات ، لم يكن لدي أي عمل والآن وجدت عملًا، هل لك أن تتأملي ذلك ! لذا فأنه يتحتم علي الذهاب إلى هناك ، وحين أكون هناك فإنني سأشفي تمامًا .

الحارس الليلي :
أتشعر بحمى ، محتمل بعض الشيء كنت مريضًا وقد سبقتني زوجتي لتبحث عن مأوى ، عليّ أن أزاول عملي غدًا ، كحارس ليلى في مصنع لاشك أنه موضع ثقة .

وصول القطار :
الآن يجب أن تنام ، استجاب الرجل لها ونام ، همست الفتاة قائلة : نوم مريض ، توقف القطار وأصبحت القاطرة خالية في بادئ الأمر لم تستطع إيقاظه ، وحين رفعت رأسه قليلًا سقط مجددًا ، ولكنها في النهاية استطاعت أن تنقل الرجل والطفلين والأمتعة إلى صالة المحطة ، وكان الرجل قد فقد وعيه تمامًا !

الذهاب إلى المستشفى :
كان هنالك جمهرة من الناس ، وكان على كل واحد منهم أن يذهب في طريقه ، وعندما وضع الممرضون الرجل على حمالة ، أخذ يصرخ لا أريد الذهاب إلى المستشفى ، ثم تذكر الأطفال ، زوجتي تنتظرني في شارع غيربر في الدار المرقمة 11 .

زوجة رجل القطار :
كان اسم زوجة هذا الرجل كاترينا ، وقد سافرت قبله لإيجاد مكان للنوم وبقيت تنتظره ، كانت امرأة بدينة غامضة ، وقد انتابها السرور عندما طرقت الفتاة الباب بصحبة طفليها.
اسمي ماري زوجك مريض ، ولكن هذا مستحيل ! إذ ليس بإمكانه أن يلازم السرير ، وكان وجه كاترينا قد أصبح متجهمًا حادًا، اذهبي عليه الآن فقط وأرعى الطفلين فليس لدي مكان آوي إليه .

ملابس وأوراق المتوفي :
عندما سألت كاترينا عن زوجها في المستشفى ، اقتادتها ممرضتان إلى الرئيسة والأخيرة أخذت بيدها بعطف ، إن حالة الرجل سيئة ، بل وسيئة جدًا أسوأ ما يمكن ، هنا شعرت المرأة بالغضب يجتاحها ولكن مع ذلك هذا محل فقد حصل أخيراً على عمل ، ظللنا نفتش عنه طوال سنوات ، ثم انتابها الهدوء فجأة ، لقد سلموها ملابس وأوراق المتوفي .

حارس المصنع الجديد :
وفي طريق عودتها جلست على مقعد للاستراحة وراحت تستعيد دقائق حياتها بوجه صارم ، لم تبكي بل طرأت لها فكرة استغرقتها تمامًا ، في اليوم التالي قدم الحارس الليلي الجديد نفسه إلى مكتب إدارة المصنع ، إنسان قليل الحديث هؤلاء هم أحسن الحراس ، كانت أوراقه كاملة فقبلوه .

ماري ترعى الأطفال :
لقد بقيت ماري مع الطفلين وهكذا حصلت هي أيضًا على خبزها ،استأجرت المرأتان شقة للسكن ، وادعوا أنهم عائلة واحدة ، امرأة ورجل وطفلان ، فأعجب أهل الدار بالمرأة الشابة وبالرجل ، لأنه كان قليل الكلام وعلى استعداد لأن يمد يد المساعدة في أكثر الحالات ، واحترم العمال الرجل في المصنع أيضًا ، حيث كان يتواجد في مكانه مع كلبه ومسدسه في الساعات المحددة لعمله ، ولا يتأخر عنه دقيقة واحدة .

الحب يطرق على قلب ماري :
وكان هناك ما يشبه العجب يسري بين العمال بشأن ماري ، إذ كيف يتسنى لشابة فتية ورقيقة أن تعيش إلى جانب هذا الرجل الصارم ، وكان جورج وهو عامل شاب قد أحبها حد العذاب ، لقد أحس هو أيضًا أنها تميل إليه .

كاترينا وماري :
قالت كاترينا بنبرة حزينة إذا ذهبت إليه فإن كل شئ سينهار ، أجابت ماري لن أذهب إليه إذ لا يجوز أن نفقد عملنا ، فهو الأهم كما يبدو لي ، لم ينل جورج سوى لمسة من يدها ، وقبلة خاطفة في ممر المنزل .

شك الجيران في أمر الأسرة :
شاهدهما الجار وحين راح يبحث عن الزوج عبر نافذة الغرفة المطلة على باحة الدار ، وجد عوضًا عن الرجل جسدًا ضخمًا لامرأة عارية ، ثم تشاجر الرجلان حول العائلة ، وأقلقوها وكانت البهجة من نصيب الطفلين فقط ، ولذلك فكرت المرأتان بأنهما قد تصرفتا بحكمة ، لأن الطفلين لم يتعرضا للجوع ، فصفوف العاطلين عن العمل تزداد طولًا ، وهذا يعني بذل جهود مضاعفة من أجل الحفاظ على العمل ، حتى ولو كان شاقًا .

الحارس الأمين :
حدث مرة في إحدى الليالي سطو ولكن الحارس الليلي كان يقظًا ، واستخدم المسدس فازداد احترامه في المصنع والحي ، صحيح أن المرأتين كانتا تتمنيان أن تقضيا ليالي ممتعة بعض الشيء ، إلا أن الخبر كان أقوى من أن يجعلهما تنعمان بشيء من السعادة ، رغم ما كان يبدو عليهما من تفاهم ظاهري .

الجار وافتضاح الأمر :
لقد أحس الجار ان هناك امرأة داخل بدلة الحارس الليلي ، وخاصة عندما تنحني أو عند نزولها درجات السلم ، وانتهز في أحد المرات فرصة وجودها ففتح الإنجيل أمامها ، وأخذ يقرأ ينبغي على الرجل أن لا يرتدي أشياء النساء ، كما ينبغي على المرأة أن لا تتصرف بملابس الرجال .

احترام الجار لكاترينا وكتمان السر :
وها أغلقت كاترينا الكتاب وقالت : لقد قمت بذلك لإطعام الطفلين ، خجل الرجل وطمأنها أنا لست ثرثارًا ، ازدادت لقاءات ماري مع جورج ، كما ارتفعت حرارة قبلاتهما ، ولكن جورج كان قد فقد عمله في حين أن الحارس الليلي كان واحدًا من القلائل ، من بين رجال المنزل الذين ما زالوا في العمل .

حادث المصنع وانكشاف السر :
في ليلة ما حدث انفجار في المصنع ، وانطلقت صفارات الإنذار ، وامتلأ المصنع بالصراخ والجرحى وحين عادت كاترينا إلى وعيها ، وجدت نفسها مستلقية في مستشفى النساء مع نساء أخريات ، وحيث أنها لم تكن قد انتبهت إلى ضمادتها ، قفزت من السرير وجرت نحو الرئيسة ، وأمامها كررت نفس الكلمات التي سبق وإن نطقتها مرة في أحد المستشفيات أمام المسئولة هذا محال لقد حصلنا على عمل .

دفاع أهل الحي عن المرأتان :
ولكن سبق السيف العذل كما يقال ، فقد أرسلت الأوراق وانكشف سرها ،جاءت الشرطة إلى شارع غيربر ، وحين أدرك الناس في المنزل تصرف المرأة أخذوا يشتمون ماذا تريد الشرطة ، إنهما امرأتان شجاعتان لم تؤذيا أحدًا .

مساعدة عمال المصنع لكاترينا :
وما كادت كاترينا تتسلم أمر فصلها حتى تجمع عمال المصنع ، وقدموا عوضًا عنها شكوى ، ولدى وصول كاترينا فيما بعد أخذ كل واحد منهم يدها ورافقوها إلى غرفة الإدارة ، وقالوا سنساعدك لا يحق لهم أن يرموك إلى الخارج .

حصول كاترينا على عمل جديد داخل المصنع :
في الداخل ضربت كاترينا المنضدة بقبضة يدها ، كعادة الحراس وهنا قالت الإدارة : نحن لا نريد لك سوى الخير، وكل ما هنالك فإننا سنأخذ منك عملًا شاقًا لنعطيك موقعًا أسهل ، كان الموقع السهل الجديد عبارة عن سطح ومكنسة وقطعة قماش للتنظيف ، لقد صعقت كاترينا ولكنها تقبلته ، وبدأت تمسح لأن الأطفال يبقون أطفالً والخبز خبزًا .

العمال وكاترينا :
لقد أصبح العمال يحترمونها أكثر من السابق ، قدر الإمكان قالوا لها : لو أن الأمر مناط بنا يا امرأة ، لكنت تحصلين على عمل آخر في هذه الحياة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *