قصة أشأم من غراب البين

إنما لزمه هذا الاسم لأن الغراب إذا بان أهل الدار للنجعة ، وقع في موقع بيوتهم يتلمس ويتقمم ، فتشاءموا به ، وتطيروا منه ، إذا كان لا يعتري منازلهم إلا إذا بانوا ، فسموه غراب البين ، ثم كرهوا إطلاق ذلك الاسم مخافة الزجر والطيرة ، وعلموا أنه نافذ الصبر صافي العين .

أصفى من عين الغراب :
حتى قالوا : أصفى من عين الغراب ، كما قالوا أضفى من عين الديك ، وسموه : الأعور كناية ، كما كنوا طيرة عن الأعمى فسموه :أبا بصير ، وكما سموا الملدوغ والمنهوس :السليم ، وكما قالوا للمهالك من الفيافي المفاوز، وهذا كثير .

التشاؤم من الغراب :
ومن أجل تشاؤمهم بالغراب ، اشتقوا من اسمه الغربة والاغتراب والغريب ، وليس في الأرض بارح ، ولا نطيح ، ولا قعيد ولا أعضب ولا شيء مما يتشاءمون به ، إلا والغراب عندهم أنكد منه ، ويرون أن صياحه أكثر أخبارًا ، وأن الزجر فيه أعم ، قال عنتره :

خرق الجناح كأن لحيي رأسه .. جلمان بالأخبار هش مولع ..
.. وصاح غراب فوق أعواد بانة .. بأخبار أحبابي فقسمني الفكر ..
.. فقلت غراب باغتراب وبانة .. بين النوي تلك العيافة والزجر ..
.. وهبت جنوب باجتنابي منهم .. وهاجت صبا قلت : الصبابة والهجر ..

تشاؤم الشعراء من الغراب :
وقال آخر :  تغنى الطائران ببين سلمى .. على غصنين من غرب وبان ، فكان البان أن بانت سليمى .. وفي الغراب اغتراب غير دان ..وقال آخر :  أقول يوم تلاقينا وقد سجعت .. حمامتان على غصنين من بان ، الآن علم أن الغصن لي غصص .. وانما البان بين عاجل دان ..، فقمت تخفضني أرض وترفعني .. حتى ونيت وهد السير أركاني .. فهذا نمط شعرهم في الغراب لا يتغير ، بل قد يزجرون من الطير غير الغراب على طريقتين : أحدهما على طريق الغراب في التشاؤم ، والآخرعلى طريق التفاؤل به.

قال الشاعر :

وقالوا تغنى هدهد فوق بأنه .. فقلت هدى يغدو به ويروح ..
وقال آخر : وقالوا عقاب قلت عقبى من النوى .. دنت بعد هجر منهم ونزوح ..
وقال آخر : قالوا حمام قلت حم لقاؤها .. وعاد لنا ريح الوصال يفوح ..

فهذا إلى الشاعر ، لأنه إن شاء جعل العقاب عقبى خير ، وإن شاء جعلها عقبى شر ، وإن شاء جعل الحمام حمامًا ، وإن شاء قال : حم اللقاء ، والهدهد هُدى وهداية ، والحباري حبور وحبرة ، والبان بيان يلوح ، والدوم دوام العهد ، كما صارت الصبا عنده صبابة ، والجنوب اجتنابًا ، والصدر تصريدًا ، إلا أنّ أحدًا منهم لم يزجر في الغراب شيئا من الخير ، هذا قول أهل اللغة .

تفاؤل بعض الشعراء من الغراب :
وذكر أهل بعض المعاني أن نعيب الغراب يتطير منه ، ونعيقه ، ويتفاءل به : وأنشد قول جرير : إن الغراب بما كرهت لمولع .. بنوى الأحبة دائم التشحاج .. ليت الغراب غداة ينعب دائبا .. كان الغراب مقطع الأوداج ..

وقول ابن ربيعة : نعب الغراب بين ذات الدملج .. ليت الغراب ببينها لم يشحج ..
تركت الطير عاكفة عليهم .. وللغربان من شبع نغيق ، وقال : ويقال نغق الغراب نغيقًا ، إذا قال : غيق غيق ، فيقال عندها : نغق بخير ، ويقال : نعب نعيبا ، إذا قال : غاق غاق ، فيقال عندها : نعب بشر ، قال : ومنهم من يقول نغق بين ، وزهير منهم ، وأنشد له : ألقى فراقهم في المقلتين قذي .. أمسي بذاك غراب البين قد نغقا ..

بعض الشعراء والدفاع عن الغراب :
وقال من احتج للغراب : العرب قد تتيمن بالغراب ، فيقول : هم في خير لا يطير غرابه ، أي : يقع الغراب فلا ينفر لكثرة ما عندهم ، فلولا تيمنهم به لكانوا ينفرونه ، فقال الدافعون لهذا القول : الغراب في هذا المثّل السواد ، واحتجوا بقول النابغة : ولرهط حراب وقد سورة .. في المجد ليس غرابها بمطار .. ، أي : من عرض لهم لم يمكنه أن ينفر سوادهم لعزهم وكثرتهم.

قصص مميزة:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *