قصة النابغة الجاحظ

ما لا يعرفه الكثيرون ، أن العالم الإسلامي يمتلك الكثير من العلماء المسلمين ، ممن أثروا البشرية بالكثير من إبداعاتهم وأسبقيتهم للغرب ، في العديد من العلوم والمجالات ، مثل العالم الجاحظ ، الذي ترك خلفه الكثير من الكتب ، التي يصعب على المؤرخين حصرها ، في كل من الأدب وعلوم الكلام ، والسياسة والتاريخ والحيوان والنبات ، وغيرها من المؤلفات التي لامست كافة المجالات ، وأشهرها كتاب الحيوان والبخلاء ، والبيان والتبيان ، وتلك هي قطوف من قصته .

نسبه ومولده ونشأته :
يُكنى بأبي عثمان عمرو بن بحر بن محجوب الكناني ، وقد ولد في البصرة عام 160هـ ، واشتهر بوجود نتوء واضح في حدقتيه ، فكان لقبه في البداية الحدقيّ ، قبل أن يعرف باسم الجاحظ .

عاش الجاحظ نحو تسعين عامًا ، كان قد عمل فيها منذ صغره ، بالتجارة في السمك والخبز ، لكسب قوت يومه ، والإنفاق على والدته ونفسه ، حيث كان والده قد توفى ، وكان الجاحظ طفلاً صغيرًا ، فلم ينعم باللعب بمن هم في مثل عمره ، واضطر للخروج إلى العمل ، من أجل توفير المال .

كانت لذة الجاحظ ترتكز في القراءة ، فكانت هي هوايته المفضلة ، التي يقضي بها باقي يومه عقب العودة من العمل ، ولم يكن يقع بين يديه كتابًا ، إلا وقرأه حتى أنه كان يذهب إلى تجار الكتب ، ليعمل لديهم بالفترة المسائية ، فيستطيع أن يشبع رغبته بالقراءة ، أثناء مكوثه ليلاً بالعمل .

وكان الجاحظ على قدر صغر عمره ، إلا أنه كان يشتهر بين رفاقه ، بالذكاء ورجاحة العقل ، إلى جانب خفة ظله وقدرته على تحليل الأمور بشكل رائع ، حتى أنه قد دأب على حضور مجالس العلم ، فدرس عددًا من المؤلفات باللغات اليونانية ، والهندية والعربية ، إلى جانب تعلمه وتلمذته على يد أكبر علماء العصر ، في علم الكلام والفقه ، حتى صار من أشهر علماء الأدب والفلسفة آنذاك .

عقب أن ذاع صيت الجاحظ ، أرسل إليه الخليفة المأمون وأتى به إلى مجلسه ، فتحدث معه حتى حاز على إعجابه بشدة ، فقربه وولاه ديوان الرسائل ، إلا أن الجاحظ ترك منصبه عقب فترة قصيرة ، مفضلاً أن يتفرغ للكتابة والبحث .

وجدير بالذكر ، أن الجاحظ قد عاصر أحد عشر خليفة عباسيًا ، من بينهم المهدي الرشيد والمأمون والأمين وغيرهم ، وطيلة وجودهم جميعًا ، كان الجاحظ يتمتع بمكانة علمية وأدبية مرموقة ، فكانت له مكافآت كثر ، مثله مثل النابغين في البحث العلمي ، في هذا الوقت ؛ حيث نال الجاحظ مكافأة مالية قدرها خمسة آلاف دينار  عن كتابه الحيوان ومثلها عن كتاب البيان والتبيين .

فاستغل الجاحظ تلك الأموال ، من أجل مساعدته على السفر والترحال ، في رحلته صوب العلم والمعرفة ، فاتجه نحو الشام وأنطاكية وغيرهم ، حتى اتسعت مداركه أكثر وزادت مؤلفاته وتنوعت بين مجالات شتى ، مثل الأدب والاجتماع والفلسفة وغيرها .

وقد تميز أسلوب الجاحظ ، في المزج بين العلم والأدب ، واستعان في السرد بقصص من التاريخ ، ومواقف من حياته الشخصية ، وجمع بين الكتاب والسنة ، وكل ما هو واقعي وغريزي أيضًا ، مما دفع الكثيرون لترجمة كتبه ، إلى العديد من اللغات ، ليعكف عليها طلاب العلم والمعرفة ، من أجل دراستها معجبين ، بمؤلفاته وما برز من خلالها من ذكاء وعبقرية متميزة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *