قصة اعتقال كوريا الشمالية لطاقم سفينة تجسس أمريكية

تم القبض على طاقم سفينة التجسس الأمريكية عام 1968م  ، وكانت السفينة  بويبلو مكلفة بمهمة تجسس في المياه الدولية قبالة الكوريتان ، حيث  سجن الجنود الأمريكان هناك لمدة 11 شهرًا ، وكان على متن السفينة 82 أميركيًا ، ويعتبر هذا الحادث من بين أكثر الأحداث المحرجة في تاريخ البحرية الأمريكية .

فعلى الرغم من أن هذا الطاقم نجح في النهاية في العودة إلى وطنه بعيد الميلاد من ذلك العام ، لكن السفينة بويبلو نفسها بقيت  في كوريا الشمالية منذ ذلك الحين ، حيث تم عرضها بالمتحف ويعتبر وجودها هناك رمزًا لانتصار كوريا الشمالية على الولايات المتحدة .

تصعيد حرب فيتنام في الخلفية :
بعد حوالي 15 سنة من إعلان الهدنة في تلك الحرب الكورية ، بقيت العلاقات الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية غير موجودة تمامًا ، وفي ذلك الوقت لم يكن هناك أي اتصال على الإطلاق بين البلدين ، كما يخبرنا مايكل روبنسون ذلك الأستاذ المتخصص في دراسات وتاريخ شرق آسيا بجامعة إنديانا ، والمتخصص أيضًا في التاريخ الكوري الحديث .

كان ذلك هو ذروة الحرب الباردة ، وكانت الولايات المتحدة تركز على احتواء الشيوعية وعلى الصراع المتصاعد في فيتنام ، وفي تلك الأثناء أرادت كوريا الشمالية استعادة السيطرة الكاملة على شبه الجزيرة  الكورية ، واعتقدت أن التوقيت كان إلى جانبها ، لتشجيع التمرد وخلق بعض الأزمات الأخرى في كوريا الجنوبية كما يقول الدكتور روبنسون .

وفي 21 يناير عام 1968م ، دخلت مجموعة من الكوماندوز الكوري الشمالي في طريقهم إلى سيول ، في محاولة لاغتيال رئيس كوريا الجنوبية (بارك تشونج هي) في مقره الرسمي في البيت الأزرق ، لكنهم فشلوا ورغم ذلك قتل العشرات من الكوريين الجنوبيين في المعارك النارية التي وقعت وقتها ، وبعد ذلك بيومين في 23 يناير حاصرت سفن الدوريات الكورية الشمالية وقوارب الطوربيد السفينة يو إس إس بويبلو  .

التي كانت تبحر عبر المياه الدولية قبالة الساحل الشرقي لكوريا الشمالية  وتتجسس على اتصالات كوريا الشمالية ، كانت سفينة بويبلو سفينة أبحاث بيئية في البداية ، وتم تحويلها إلى سفينة تجسس وكانت مسلحة برشاشين فقط ، وعندما فتح عليها الكوريون الشماليون النار أصيب عشرة بحارة ومنهم واحد بجروح قاتلة .

وبعد الإذاعة على نحو متكرر طلبًا للمساعدة ، اتخذ قائد بويبلو ، “لويد” قرارًا بتسليم سفينته ، وصعد الكوريون الشماليون إلى بويبلو وسحبوها إلى مدينة وونسان الساحلية الشرقية ، وأخذوا الـ 82 أميركيًا الباقين على متنها (بما فيهم اثنان من علماء المحيطات المدنيين) كسجناء .

استجابة الولايات المتحدة :
كان بحارة بويبلو الموجودين على متن سفينة قادرين على حرق الكثير من المعلومات السرية الموجودة معهم قبل القبض عليهم ، وكانت هذه هي أول عملية اختطاف لسفينة تابعة للبحرية الأمريكية منذ الحرب الأهلية ، وقد وقعت في الوقت الخطأ تمامًا بالنسبة للولايات المتحدة ، حيث يقول الدكتور روبنسون أن هجوم تيت الذي حدث في 30 يناير كان يوضح أن الولايات المتحدة غير قادرة تمامًا على التعامل معه .

لأن الرئيس جونسون كان ضعيف سياسيًا بدرجة كبيرة في تلك المرحلة ، وعند النظر في طريقة الرد على الاستيلاء على بويبلو ، فإن إدارة جونسون كانت تزن الخيارات بما في ذلك الحصار البحري لموانئ كوريا الشمالية ، والغارات الجوية على الأهداف العسكرية ، والهجوم البري عبر المنطقة منزوعة السلاح التي تفصل الشمال عن كوريا الجنوبية ، أو حتى استخدام السلاح النووي .

وفي النهاية كان قرار جونسون هو العمل العسكري ، فبدلًا من  محاولة حل المشكلة قام بتقديم “عرض للقوة” عن طريق إصدار أمر بالمئات من الطائرات المقاتلة ، وخروج 25 سفينة حربية لبحر اليابان بالقرب من كوريا الجنوبية ، ولكن بصراحة أعتقد أنهم كانوا قلقين بشأن عودة الجنود من السفينة بويبلو بعد موقفهم هذا .

وضع السجناء :
قضى بوتشر وبقية أفراد طاقم بويبلو 11 شهرًا مرهقين في الأسر ، تعرضوا خلالها للتعذيب وأجُبروا فيها على توقيع الاعترافات وتعرضوا للدعاية المستمرة من قبل الكوريون ، ففي البداية قاوموا ورفعوا أصابعهم الوسطى في الكاميرا وأخبروا الكوريين الشماليين أن تلك العلامة تشير إلي”علامة حظ سعيد”.

وبمجرد أن علم الكوريين الشماليين الحقيقة عن مدلول تلك الإشارة  ومدى سخريتها منهم ، عاقبوا السجناء بالضرب والتعذيب في درجات الحرارة الباردة والحرمان من النوم ، وبعد مفاوضات مطولة اعتذرت الولايات المتحدة عن التجسس بعد أن كانت تنكر الأمر ، وفي 23 ديسمبر 1968م سُمح للجنود الأمريكان بعبور المنطقة المنزوعة السلاح إلى كوريا الجنوبية ، حاملين جثة دوان هودجز الذي توفي متأثرًا بجروح أصيب بها في الهجوم على السفينة .

وعادوا مرة أخرى إلى الولايات المتحدة عشية عيد الميلاد ، وهم يعانون من سوء التغذية والجُروح بسبب التعذيب الذي تعرضوا له ، وعلى الرغم من أنها لا تزال سفينة تابعة للبحرية الأمريكية ، إلا أن يو إس إس بويبلو تجلس اليوم في متحف الحرب المنتصرة في بيونغ يانغ عاصمة كوريا الشمالية ، و يقول عنها روبنسون : “إنها رهينة” لكنها أيضًا أداة جذب سياحي وأداة للدعاية ، و رمزًا لهزيمة كوريا الشمالية لعدو احتقرته منذ اندلاع الحرب الكورية .

وقبل اجتماع الرئيس ترامب وكيم جونغ أون في سنغافورة في 11 يونيو عام 2018م ، دعا البعض إلى عودة بويبلو وإدخالها على جدول الأعمال الأمريكي ، ضمن العديد من الموضوعات الأخرى ذات الأهمية مثل الأسلحة النووية ونزع السلاح ، وإعادة رفات الجنود الأمريكيين الذين قتلوا خلال الحرب الكورية .

وكما قال توم ماسي أحد البحارة السابقين في حرب بويبلو لصحيفة نيويورك بوست الأمريكية عن السفينة التي تم الاستيلاء عليها ، والتي بدأ فيها هو ورفاقه محنتهم الطويلة والمؤلمة : (أود أن أرى أنها عادت لأنها جزء من تاريخنا) ، فما زال عودة بويبلو إلى الآن هاجسًا يراود الشعب الأمريكي لعلها تنسيهم مرارة الهزيمة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *