قصة قرية يديس

شهد التاريخ ، العديد من المذابح والمجازر التي لا ترقى إلى الإنسانية بشيء ، وتجلى هذا الأمر بشدة ، على هامش العديد من الحروب ، حيث قُتل الكثيرون باسم مبدأ البقاء للأصلح ، وللأقوى ، ولمن يستطيع المقاومة ، ولكن رغم المقاومة أبيدت قرى كاملة ، وشُردت عائلات ، وقُتل أطفال ، وانتحرت النساء ! نعم ، وقرية يديس في تشيكسلوفاكيا هي خير مثال ، على بشاعة البشر .

البداية ..
في اليوم العاشر من شهر يوينو عام 1942م ، أمر الفوهرر الألماني ببرلين ، بعدد من القرارات المتعلقة بقرية يديس ، بتشيكسلوفاكيا ، وقد نص هذا القرار على ؛ إعدام كافة رجال القرية ، ونقل كل نساء القرية إلى معسكرات الاعتقال ، وتجميع الأطفال المتواجدون بالقرية ، وتجنيد من يصلح منهم ، لعائلات ترغب في التبني ، وإعدام من لن يتم تبنيه أو ضمه إلى أية أسرة جديدة !

نعم أمر الفوهرر بإعدام الأطفال ، وتم التنفيذ بالفعل ، فعقب يومين من إصدار هذا القرار وصلت إلى القرية ، العديد من الشاحنات الضخمة ، تحمل جنود الفوهرر ممن سيقومون بتنفيذ الأوامر ، فتم جمع رجال القرية جميعًا في مجموعات ، مكونة من عشرة رجال لكل مجموعة ، وتم إطلاق النار عليهم في الساحات أمام أعين زوجاتهم ، وأطفالهم!

بعد ذلك ، تم حمل كل نساء القرية ، من السيدات والفتيات إلى معسكرات الاعتقال ، وتم حصر الأطفال الموجودون بالقرية ، وبلغ عددهم مائة طفلاً بالضبط ، حملوا على شاحنة كبيرة تم إرسالهم إلى معسكر في منطقة لوفوسيس Lovosice .

وكان هذا المعسكر عبارة عن مصنع قديم ، تم تحويله إلى معسكر لاحتجاز هؤلاء الأطفال داخله ، ولم يسع الجنود تفريقهم إلى داخل المصنع ، بل ، جمعوا كافة الأطفال في حجرة صغيرة واحدة للمائة طفل!

لم يقدم الجنود أية رعاية لهؤلاء الأطفال ، بل امتنعوا عن ذلك ، كما امتنعوا عن تقديم الطعام ، والشراب ، والملابس ، أو حتى أية وسيلة من أجل الخلود للنوم ، وأرسلوا رسالة قصيرة إلى القادة ، بأن الأطفال ليسوا بحاجة إلى رعاية أو اعتناء! ثم تم اختيار سبعة أطفال ، بشكل عشوائي من أجل الانضمام لعائلات وأسر بديلة بالتبني ، وتم إرسالهم إليهم بالفعل .

مزيد من الوحشية ..
بالطبع ، توفى عدد كبير من الأطفال نتيجة الإهمال ، وقلة الرعاية ، والجوع والعطش ، ومن بقي منهم على قيد الحياة ، تم نقلهم باستخدام شاحنة كبيرة إلى معسكر الإعدام ، والذي يقع على بُعد سبعون كيلو من موقع المعسكر القديم .

وفي اليوم الثالث عشر من نفس الشهر ، تم تجميع الأطفال الباقون على قيد الحياة في حجرة جديدة ، وإعدامهم باستخدام الغاز لعدم الحاجة إليهم ! ثم تم التخلص من الجثث ، بإلقائها إلى جوار ملابس الأطفال وأحذيتهم.

أبيدت قرية يديس كاملة ، حيث ألقيت جثث الرجال لتتعفن بالطرقات ، ولقيت العديد من النساء مصرعهن في المعتقل ، وانتحرت أخريات بعد فقدان الزوج والابن ، وقتل الأطفال بالغاز السام في غرف مغلقة ، ومن بقيت على قيد الحياة من السيدات ، عادت بلا أسرة ، لا زوج أو طفل ، وبقي الوضع كما هو عليه حتى بداية الستينات.

تخليد الذكرى ..
عقب سنوات من تلك الأفعال الوحشية ، ظهرت فنانة تشكيلية تُدعى ماري ، درست ماري تاريخ تلك القرية البائسة ، وما حدث بها من إبادة جماعية ، فبدأت بتصنيع تماثيل لأطفال القرية ، مخلدة لذكراهم مع زوجها ، حيث تكونت المنحوتة من اثنان وثمانون طفلاً ، من البرونز الخالص ، وتم تصميم الأطفال بتعبيرات وجوه مختلفة ، توضح مدى المعاناة ، وما شاهدوه من قتل آبائهم وأمهاتهم أمام أعينهم.

توفت ماري قبل اكتمال العمل ، في عام 1989م ، ولكن تبرع عدد هائل من الفنانون التشكيليون باستكمال العمل ، وفي يونيو عام 2000م ، وفي ذكرى الهجوم على قرية يديس البائسة ، اكتملت التماثيل وتم وضعها في المكان الذي أبيدوا به ، في جمهورية التشيك ، من أجل تذكير البشرية بمدى الجُرم الذي تم ارتكابه في حق هؤلاء الأطفال ، والقرية الفقيرة منذ سنوات طوال.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *