قصة إلى روح أحمد

لم تستطع الكتابة عن أحمد دون أن تجمع شتات نفسها وبحزم ، فهي تراه فى كل مكان من لحظة أن توفي ، هي لم تنسى ملامحه النحيفة ولا وجهه الشاحب أبدًا ، ولكن قررت أن تكتب عنه .

القصة :
ضاع أحمد لحظة أن توفي أخوه فريد الذي يكبره بسنتين ، هي لم تكن تعرف فريد ، لكن كل من عرفه كان يشهد بعبقريته ، وعندما رأت له صورة ، تملكتها حالة من الذهول الشديد ، لشدة الشبه بينهما ، حتى أنها لم تستطع التفرقة بينهما .

فهما لهما نفس القامة ولهما نفس سمرة البشرة الجذابة ، ونفس العينان الواسعتين السوداويتان وحتى نفس الابتسامة الساخرة نفسها ، الفرق بينهما هو نظرة العين ، فقد كانت نظرة عين فريد فيها قوة وثقة بالنفس ، أما نظرة أحمد فهي نظرة حائرة ، نظرة شخص يبحث عن شيء وهو متأكد من أنه لن يجده .

لقد مات فريد في العشرين من عمره بسبب خطأ طبي ، حيث تجرثم دمه بعد عملية بسيطة دخل ليجريها ، وبسبب الاهمال الطبي في المستشفي وعدم تعقيم الأدوات الطبية ، مات فريد بعد ثلاث أيام من العملية الجراحية .

كان فريد مشروع عبقري فى الرسم والموسيقي والمسرح ، فقد بهرت لوحاته الفنية ومقطوعاته الموسيقية كبار الفنانين ، وأعماله المسرحية التى كتبها وأشرف على تلحين أغانيها شهد له الجميع بأن اسمه سيلمع بسرعة الصاروخ كعبقري جديد فى مجال الفن ، أما عن جنازته التى لم تحضرها والتى خرجت فيها المدينة بأكملها لتوديعه ، وصف أحد الأصدقاء لها حالة أحمد ، فقد كان يمشي مترنحًا أثناء الجنازة ، شبه غائب عن الوعي يتخبط فيمن حوله دون قصد كان تائهًا .

لقد كان أحمد صورة فريد ، لكنه لم يمتلك العبقرية التي امتلكها فريد ، بل كان صورة شكليه له فقط ، أراد أحمد أن يتقمص فريد بعد وفاته ، فصار يلبس ثيابه ، ويدخن غليونه وينام في سريره ، ويتأمل لوحاته طويلًا ، يستمع لموسيقاه ولكنه لم يستطع أن يبتكر أي شيء.

كان أحمد يبحث في داخل نفسه عن أية موهبة ، لكنه كان خاوي تمامًا ، فهو ابن روح هذا العصر المليئ بالوحشة والتخلي ، فعندما قابلته في المرات القليلة كان يعصره شعور الألم لفراق أخيه والضياع لعدم استطاعته أن يفعل أي شيء .

فأحمد لم يكن يعرف من يكون ، لم يتعرف على أهم صفاته بعد ، فقد كانت شخصيته ضبابيه لا تملك شيء يذكر لها ، وكثرت محاولاته للبحث عن ذاته ، حيث كان يجمع الكتب التي منعتها الرقابة لا ليقرئها ، ولكن ليتباهى أنه يمتلكها ، كان يبحث عن الشخصيات المشهورة ويسعى للجلوس معهم ليتباهى أنه جالسهم ذات يوم ويعرفهم .

كان أحمد بطئ الكلام وفي صوته ارتعاش خاص ، وفي وجهه الأسمر النحيل رهافة ، فكانت تشعر دائمًا أنه يشبه الأشباح ، فعندما يدخل مكتبها كانت تحس أن قدميه لن تلمس الأرض من شدة نحوله ، كان أحمد يتألم عندما يرى في عيون الناس استخفافهم به ، فكان يعرف أنهم يعتبرونه فاشلًا مقارنة بأخيه ، فقد ترك الجامعة منذ السنة الأولى له وفتح دكان حلاقة للرجال ، كانت دكانته مقابل مكتبتها .

كانت تراه وهو واقف أمام دكانه سارحًا في اللاشيء ، يدخن سيجارة من أخرى بشراهة ، كانت تحاول دائمًا أن ترحب به وتشعره أنها تسعد بلقائه ، فهي تحترمه ، وكان يسعده ذلك ، ولكن كان يعاوده الشك فيعتقد أنها تشفق عليه ، كانت تعاتبه على إدمان الكحول وتعنفه كثيرا ، فكان يرد بكلمات غير مفهومه ، ولكن كل ملامح وجهه تعبر عن أنه يعاني إعاقة روحية وذهنية ، فقد سحقه حلمه بالتفوق حلم القوة ، قوة الموهبة التي كان يمتلكها فريد ، أيموت العبقري ويبقي التافه .

فقد كان أحمد يؤمن تمامًا بأنه كان يجب أن يموت هو ويبقى فريد ، وفي بعض الأحيان كان يعبر عن اضطرابه أمامها وكانت تشجع ليبدأ بالكلام ، ثم فجأة يتوقف عن الكلام ويغيره تمامًا .

كان لا يستطيع تحمل أحاسيسه ، فكان يغرق نفسه بزجاجات الكحل في محاولة منه ليستمد منها ثبات زائف أمام الجميع ، ذات مرة دخل عليها المكتبة وهو غارق في السكر ترنح قبل أن يجلس على الكرسي ، قال لها وعينيه غارقة فى الدمع : أشتهى أن أقبل الأرض التي مشي عليها ، فهو أثير ذكرياته عن فريد ، فريد الذي يشبهه تمامًا بالشكل فقط ، وقال في مرة أخرى أن الضجر يخنق روحه .

فانتبهت لهذا التعبير ، منذ متى وأحمد يجيد التعبير بهذا الشكل ، وتذكرت واقعة حدثت بعد وفاة أخيه ، حيث نصحه البعض أن يرفع دعوى قضائية على المستشفى التي كانت السبب في موت أخيه ، وبعد عامين من الوفاة حصل أحمد على مبلغ بسيط جدا ، كنوع من أنواع التعويض ، فأحس أحمد أنه قبض دم أخيه ، وأنه باعه .

إنه لا يصدق أصحاب المناصب ، ويشعر كذلك أنهم لا يقدرونه ، رغم اصغاؤه لهم بكل حب وحنان ، وخدمته لهم بإخلاص شديد ، لكن من يبالى بحلاق تافه ، أحمد كان دائم الشعور أنه مثل الضباب ، تعذبه تفاهة روحه ، يشعر أنه عاجز أن يكون انسان عاديًا ، يحس أنه يمضي إلى الهوه وهو لا يدري .

وجد أحمد نفسه مضطرًا إلى الايمان بالقدر ، وقد احتلت كلماته في الفترة الأخيرة ، كلمة القدر ، كان دائم السؤال لها ولأصدقائه ، هل قدر فريد أن يموت في العشرين ، اعتقد الجميع أنه يحاول التخفيف عن نفسه بهذه الكلمات .

حتى أتاها ذات يوم خبر سقوطه من الطابق الثاني ووفاته ، يقال أنه على الأغلب كان سكران ، وأن قدمه ذلت وسقط ، لكنها لم تصدق تلك القصة وكانت متأكدة أنه أراد الموت ، وكانت جنازته متواضعة جدًا ، وتعذر معظم أصدقاؤه بحجج قهرية ولم يحضروا جنازته ، لكن وجهه كان مبتسمًا ابتسامة عجز عنها وهو حي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *