قصة موسي بن أبي الغسان عندما رفض الاستسلام

لقد ضرب المسلمون في كل العصور والأزمنة أروع الأمثلة في البطولة والفداء ، وكان على رأسهم بطل غرناطة ليث الأندلس الشهيد ، الذي كان لا يملك من الجنود الكتائب المتزاحمة ولا يملك الأسلحة المدججة ، بل يركن إلى نفر قليل لهم عزيمة الأبطال أمام الحشود المتراصة كموج البحر وهي تحمل كل أنواع السلاح والقذائف .

ومع ذلك كان هذا البطل يقذف بنفسه في وسط الجيوش ويهجم عليهم كالإعصار لا يهتم بالموت ، ويرحب بالاستشهاد في سبيل العقيدة إنه أسد الأندلس موسي بن أبي الغسان الذي رفض تسليم غرناطة للنصارى وجاهد حتى مات .

لقد ولد هذا البطل بغرناطة وكان من أصول عربية عريقة النسب ، وقد كانت أسرته مشهورة بالفروسية وأثر هذا فيه تأثيرًا كبيرًا فقد كان فارسًا جسورًا ومبارزًا كبيرًا ، وقد نشأ في فترة انهيار الحضارة العربية والإسلامية بالأندلس ولكن غرناطة كانت حينها تزخر بالعلم والعلماء .

كان موسي ابن أبي الغسان زعيمًا لعشيرته في غرناطة وهذا قربه من بلاط ملك البلاد أبي عبد الله الصغير ، فاستطاع معرفة ما يدور في كل حدب وصوب ومن ثم كان يتصدى لدعوات الهزيمة والخذلان ، فقد كانت غرناطة من أواخر معاقل الحكم الإسلامي في الأندلس ، وقد قاومت اجتياح النصارى بكل الوسائل والسبل .

ففي عام 896 هجرية ضرب النصارى حصارًا على غرناطة من البحر والبر حيث حاصرت السفن غرناطة من خلال مضيق جبل طارق ، ومن البر كانت جحافل جيوش الصليبيين ، فاشتد البلاء والجوع بالمدينة الباسلة وكل من فيها ، وكان الملك عبدالله الصغير يرى أن استمراره في الدفاع هو مجرد عبث لن يؤدي لشيء سوى لهلاك رعيته .

ولكن الفارس المغوار موسى بن أبي الغشان اعترض بشدة ، وجمع الفرسان وأعد العدة وخرج لملاقاة جيوش النصارى ودارت بينهم معركة كبيرة أبلى فيها المسلمون البلاء الحسن ، ولكن ضعف العدة والعتاد وأيضًا نقص المؤن بسبب الحصار أدى إلى انهيار الصفوف وتقهقرها إلى داخل أسوار المدينة ، ورغم ذلك رمى البطل موسى ابن أبي الغسان بنفسه وسط جحافل النصارى وقاتل قتالا شديدًا .

وحينما وجد أن جيشه قد ارتد إلى داخل الأسوار عاد الفارس الجسور إلى داخل المدينة وهو في قمة الغضب ، وأوصد المسلمون أبواب المدينة واحتموا بها وظلوا على هذا الحال سبعة أشهر، عم فيها الجوع والحرمان وانتشرت الأمراض والأوبئة ، وقد رأى الجميع الاستسلام إلا صوت واحد ارتفع بالاعتراض على هذا القرار .

كان صوت موسى بن أبي الغسان الذي قال : ( لنقاتل النصارى حتى أخر لحظة وإنه خير لي أن أحصى بين من ماتوا دفاعًا عن غرناطة من أن أحصن بين الذين يشهدون على تسليمها ) ، وبعدها أرسل الفارس المغوار إلى فرديناند قائد الصليبيين قائلًا : ( ليعلم ملك النصارى أن العربي قد ولد للرمح و الجواد ، فإذا طمح إلى سيوفنا فليكسبها غالية وأما أنا فخير لي قبر تحت أنقاض غرناطة ، فالمكان الذي أموت فيه في غرناطة خير من أفخم قصور نغنمها بالخضوع لأعداء الدين) .

ورغم استماتة البطل الجسور على خوض الحرب والموت دفاعًا عن غرناطة أخر معاقل المسلمين بالأندلس ، إلا أن الأحداث كانت أقوى منه فقد عم البلاء والجوع والأمراض بسبب الحصار المطبق ، فخضع الملك عبد الله بن الصغير بالفعل لتوقيع وثيقة التسليم عام 897 هجرية .

وفي لحظة توقيع تلك الوثيقة بكى الكثير من القادة المسلمين فصاح فيهم موسي قائلًا : (اتركوا هذا العويل للنساء والأطفال فقلوبنا وعيوننا لم تخلق للدموع ولكن لكي تقطر الدماء ، ولن يقال أبدًا أن أشراف غرناطة خافوا من الموت دفاعًا عن دينهم ومدينتهم ، وبدأ التوقيع وعم الصمت والحزن المكان .

ولم يستطع هذا الفارس المغوار أن يبقى ليشهد تلك اللحظة فقال بصوت عالٍ لهم : (إن الموت أقل ما نخشى أمام هذا النهب لمدننا وتدنيس مساجدنا ، وإن هذه النفوس الضعيفة التي أرى سوف ترى هذا الخنوع والإذلال أما أنا فلا ولن أراه أبدًا ، وغادر الفارس المغوار حزينًا وامتطى فرسه ولبس لباس الحرب واخترق شوارع المدينة بحثًا عن أملٍ جديد.

فبدأ يجتمع معه شباب فدائيين وكون أول كتيبة فدائيين قرر أن يقوم بها بهجوم على الصليبيين ، وبالفعل نجحت هجمته حيث قاتلوا فيها قتالًا شديدًا أمام جحافل الصليبيين وتجمعت عليهم الكتائب ، ولكن كانت أرواحهم تهفو إلى الاستشهاد في سبيل الله .

حيث اخترقت الكتيبة جيش النصارى وقتلوا الكثير منهم ، ولكن لأن الكثرة تغلب الشجاعة بدأ الأبطال يستشهدون واحدًا تلو الأخر ، وأما بطلنا المغوار فقد أحيط بالرماح والسيوف والدروع من كل اتجاه وحين حاصروه وأطبقوا الحصار وتوالت الطعنات عليه من كل اتجاه ، أصبح جسده كله مليئًا بالدماء والجروح ورغم ذلك لم يستسلم .

فقد أبى الاستسلام ورفض أن يقع في الأسر وهو على مشارف أخرته ، فقذف بنفسه إلى موج النهر دون أن يسلم نفسه الطاهرة للنصارى ، واستشهد الفارس المغوار من شدة الطعنات والسيوف والرماح التي طعنته ، وودع الحياة بطلًا جسورًا وفارسًا مغوارًا أبي أن يستسلم لعدوه الغاشم ودافع عن دينه حتى أخر رمق .

ويقول الشاعر أبي الطيب الرندي :

لـكل شـيءٍ إذا مـا تـم نقصانُ **** فـلا يُـغرُّ بـطيب العيش إنسانُ
هـي الأمـورُ كـما شاهدتها دُولٌ **** مَـن سَـرَّهُ زَمـنٌ ساءَتهُ أزمانُ
دارَ الـزّمانُ عـلى (دارا) وقاتِلِه **** وأمَّ كـسـرى فـما آواه إيـوانُ
فـاسأل(بلنسيةً) ما شأنُ(مُرسيةً) **** وأيـنَ(شـاطبةٌ) أمْ أيـنَ (جَيَّانُ)
وأيـن (قُـرطبة)ٌ دارُ الـعلوم فكم **** مـن عـالمٍ قـد سما فيها له شانُ
وأين (حْمص)ُ وما تحويه من نزهٍ **** ونـهرهُا الـعَذبُ فـياضٌ وملآنُ
بـالأمس كـانوا ملوكًا في منازلهم **** والـيومَ هـم في بلاد الكفرِّ عُبدانُ
فـلو تـراهم حيارى لا دليل لهمْ ****    عـليهمُ مـن ثـيابِ الـذلِ ألوانُ
ولـو رأيـتَ بـكاهُم عـندَ بيعهمُ ****  لـهالكَ الأمـرُ واستهوتكَ أحزانُ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *