قصة تجربة سجن ستانفورد

تعد تجربة سجن ستانفورد من أغرب التجارب البشرية التي مر بها التاريخ ، ففي عام 1971م أرادت البحرية الأمريكية أن تفهم الصراعات والتغيرات السلوكية التي تحدث للإنسان عندما يمتلك السلطة أو عندما يتعرض للقهر عن طريق إجراء اختبار لمجموعة من المتطوعين في سجن مصطنع أي أن تكون محاكاة لسجن فعلي يحتوي بين جنباته على نوعين من البشر المساجين والسجانين .

وعرضت ذلك على العالم فيليب زيمباردو ليتولى المهمة تحت إشراف جامعة ستانفورد ، وبالفعل تم الإعلان عن تلك التجربة الفريدة من نوعها في الصحف ، كما أعلنوا عن حاجتهم لمتطوعين بمقابل 15 دولار عن كل يوم لمدة أسبوعين من 14 إلى 29 أغسطس لعام 1971م .

وبالفعل تقدم أكثر من 70 شخص واختار من بينهم العالم زيمباردو 24 شخص فقط ، كانوا كلهم بلا سوابق إجرامية ومن ذوي البشرة البيضاء الذين يشغلون الطبقة الوسطى في المجتمع وكانوا يتدرجون في المراحل الجامعية المختلفة ، في البداية تم تقسيمهم إلى مجموعتين بطريقة عشوائية تمامًا عن طريق القرعة .

مجموعة ستلعب دور المساجين والمجموعة الأخرى دور السجانين ، وقد تم إعداد هذا السجن داخل أسوار جامعة ستانفورد في أحد الأقبية الداخلية بها ، ثم تم تسليم المجموعة التي ستقوم بدو الحراس عصي للشرطة وزي عسكري كما تم تسليمهم أيضًا نظارات عاكسة لكي لا يتواصلوا مع المساجين ، وكانت حراستهم عبارة عن دوريات متصلة .

وفي المقابل تم توجيه المجموعة التي ستقوم بدور السجناء بأن يذهبوا إلى منازلهم إلى أن يحين موعد الاختبار وسيتم استدعائهم ، وقبل ذلك الاختبار بيوم واحد قام العالم زيمباردو بالاجتماع مع مجموعة السجانين ، وأخبرهم أنه لا توجد ضوابط محددة عليهم فيجب عليهم أن يتخذوا التدابير اللازمة لإدارة السجن ولكن دون استخدام العنف الجسدي .

وبالنسبة لمجموعة المساجين فقد قامت الشرطة الحقيقية باعتقالهم وتوجيه تهم فعلية لهم ، بمساعدة من قسم الشرطة في إتمام هذا الاختبار دون علم المتطوعين ، وتم وضعهم في السجن المخصص للاختبار بالجامعة وبدأ الاختبار بالفعل ، مر اليوم الأول عاديًا ولكن بعد فترة أصبح تعامل الحراس عدائيًا ومهينًا للمساجين وعانى بعض المساجين من بكاءٍ شديدٍ وبعضهم من كبت نفسي .

وتم تسريح بعضهم من الاختبار في البداية نتيجة ما حدث لهم ، بسبب معاملة الحراس السيئة حدث تمرد بين المساجين فقام الحراس بفصل المساجين إلى مجموعتين ، مجموعة المساجين الجيدة ومجموعة المساجين السيئة وقاموا بالوقيعة فيما بينهم وإخبار بعضهم أن بينهم جواسيس ونجحت تلك الخطة فهدأ التمرد .

وتحول السجن بعد ذلك إلى امتيازات فدخول الحمام أصبح امتيازًا للمطيعين ويحرم منه المتذمرين ، وأجبر الحراس بعض المساجين على تنظيف المراحيض ، والنوم وهم عراة كما تعرض بعضهم للتحرش الجنسي ، نتيجة كل ذلك انهار بعض السجناء والبعض الأخر قاوم بشكل عنيف .

وحدثت حالات كثيرة للإضراب عن الطعام ، وبعد 6 أيام من الاختبار قرر العالم زيمباردو إيقاف التجربة لما حدث من انتهاكات جسيمة من قبل الحراس حيث كان يضع كاميرات مراقبة لا يعلم المتطوعين بوجودها ومن خلالها ظهرت تلك الانتهاكات الصادمة ، فقد أظهرت نتائج هذا الاختبار أن السلطة المطلقة تخرج أسوأ ما في النفس البشرية .

وأن هذا السلوك الذي سلكه الحراس لم يكن ليسلكوه لولا إعطائهم سلطة بلا قيود ولا ضوابط ، كما أظهرت رد الفعل المتغير من المساجين تجاه الضغوط النفسية التي تعرضوا لها ، وقد دعم هذا الاختبار فكرة أن الواقع الذي فرض على الجميع هو من تسبب في السلوك أكثر من موروثاتهم الشخصية .

واجه هذا الاختبار انتقادات كثيرة منها أنه يفتقر إلى الأخلاق ويعارض القوانين الأخلاقية ، وأيضًا يفتقد لخاصية مهمة جدًا وهي التعميم لأن العالم زيمباردو اختار عينة من البيض فقط وأيضًا كانت من ذكور الطبقة الوسطى ، وهو بذلك لا يمكن أن يعمم نتائج تلك التجربة على الجمهور ككل.

ولكن يظل هذا الاختبار الذي قام به زيمباردو من أغرب وأعجب الاختبارات التي قام بها عالم ، وللأسف ما فعله كان محاكاة للطبيعة فالواقع أسوأ من هذا الاختبار ، والدليل على ذلك ما فعله الجنود الأمريكيين بسجن أبو غريب من انتهاكات صارخة لحقوق الإنسان .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *