قصة رنا البردانة

لم يعرف أحدًا أين توجهت منى بعدما خرجت من المخيم لأنه لم ينتبه إليها أحد فالجميع مشغولون لما حدق في الصباح الباكر من اعتداء جنود الاحتلال على البيوت لقد هجموا على الأبواب وحطموها وعلى الرجال وساقوهم إلى الساحة أما الفتيان فلم يتركوا منهم واحدًا بل جروهم كلهم إلى السيارات العسكرية فصرخت النساء وبكى الأطفال الصغار كما لو أن نارًا تحرقهم .

وتعالت الأصوات من كل جانب عندما سدد جندي الرصاص على فتى رمى الجنوب بزجاجة حارقة فوقع انفجار وتكاثر الدخان ونام الفتى قتيلًا ، رنا الصغيرة النحيلة كانت في الطابق العلوي في بيتهم المتهدم ورأت كل شيء وبما أن الفتى القتيل كان ابن عمتها وكانت تحبه كثيرًا وفقد قالت في نفسها لماذا لا أختبئ وراء ذلك السور قريبًا من السيارات العسكرية وأرمي جنود الاحتلال بالحجارة .

ولم تشاور عمتها التي تعيش معها بعد أن ماتت أمها ولم تشاور غيرها فهي تدرك جيدًا أنهم لم يمانعوا طلما يواجهون الأعداء وبسرعة دخلت رنا إلى عرفتها الخالية من الأساس ما عدا فراش أرضي وصندوق تضع فيه ثيابها وبحثت عن معطفها الشتوي الطويل ولكنها لم تجده فنثرت كل أشياء الصندوق ثم تذكرت أنهم وضعوه تحت الفراش سحبته بعنف وارتدت والطقس صيف ، والحر شديد فتسللت وراء البيوت وأخذت تجمع ما إمكانها من الحجارة وتعها في جيوب المعطف .

ولما وجدت أنها لم تتسع لأكثر من عدد محدود مزقت بطانة المعطف وحشته بالحجارة الصغيرة ، ثم صارت متثاقلة وليس في قدمها إلا حذاء قديم مبتلي من البلاستيك تلبسه ، ولمح أحد الجنود بنتًا صغيرة تمشي ببطء كما لو أنها تسير فوق بيض ارتعدت عندما تقدم منها واصفر لونها وقال لها إلى أين أنت ذاهبة يا قردة ألا ترين أنه ممنوع المرور ارتكبت ثم نظرت بعينين مذعورتين إلى نفسها واستجمعت جرأتها وقالت أنا مريضة وذاهبة عند خالتي قرب السوق لأنه لم يعد أحد في البيت .

تأملها الجندي ثم قال ولماذا هذا المعطف ونحو في عز الصيف ، فقالت أنا بردانه ومصابة بالحمى ولم يكن يكمل أسئلة حتى بدأت تبتعد بخطوات ثابتة متهيئة أن تهرب لو حاول أن يقبض عليها ولكنه أدار وجهه عنها وهو غير مطمئن تمامًا فهؤلاء السكان يملكون من الجرأة والذكاء ما لم يتصور هؤلاء المحتلون حملون الحضارة كما يزعمون .

انصرف عنها وقال اما ان تكون مريضة او مصابة بلوزة في عقلها فهي لم تكن كذلك بل كانت غايتها الوحيدة ضد عدوها وصلت رنا إلى السوق وسرعان ما خلعت المعطف وأفرغت الحجارة وأخذت تقذفها حجرًا حجرًا وكلما رمت واحدا خبئت رأسها لحظات ثم رفعته بحظر حتى لم تجد أحد قفذت الأخر وهكذا ، وكانت تقفز من الفرح عندما يصاب جندي ولم تشعر إلا بيد من حديد تقبض على عنقها ثم تصفعها بقوة جعلت الدم ينزف منها كان ذلك الجندي الذي تركها تمر وقد أعتقد أنها مريضة .

قال بغضب أهذه أنت إذن مريضة وبردانه وتذهبين إلى خالتك هيا سوف أخذك إلى جهنم أنت وخالتك ، أين بيت خالتك وتكورت رنا مثل قطة عندما أمرها الجندي أن تمشي أمامه ماذا تفعل لم يعد أمامها إلا الاستسلام ولكن رنا امسكت بالمعطف وظهرت أنها تجمعه لتأخذه معها انحنى الجندي لكي يبعدها عنه فرمته فوق رأسه ثم التقطت الحجر الوحيد المتبقي على الأرض وبينما كان يصرخ ويحاول التملص من المعطف كانت رنا قد اختفت في البيت بين السوق وعندما كان الجندي يسأل زملائه هل رأه بنت صغيرة تردي معطف شتوي كانوا يهزؤون منه ويقولون هل هناك من يرتدي معطفًا شتوي في الصيف ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *