قصة الآخر

أسمع وقع خطواته حادة تقطع جسدي ، أفر من شارع إلى آخر علني أفقده ، عبثًا أحاول ، خفت من معرفة هويته ولم أجرؤ على الالتفات إلى الخلف كي لا أبصره ، أربط أجزاء جسدي بعضها بالبعض وأكتم تنفسي خوفًا من خطواته الرتيبة والتي صارت تدق في رأسي كرقاص ساعة عتيق ، نحو اليسار ، ثم اليمين ، أهوى نحو العدم ، وأنكمش بوجوده فقط .

ما الذي يريده مني ؟ ولم يتعقبني ؟ هل يكرهني ؟ أيريد قتلي ؟ ما يحيرني صمته ورائي .. ما إن أتوقف حتى يتوقف ، ألتفت إلى الوارء يلتفت إلى الوراء ، ويقوم بأداء نفس الحركات التي أقوم بها .

اختفاء وتوجس :
خائف ومتوجس من حضوره واختفائه بين ثناياي ، يدان غليظتان تخنقاني وتلفان جسدي بنكهة موت بطيء لم أعد أستطيع التركيز ، وفكرت أني مصاب بنوع من الفصام وقررت التفرغ لهذا القذر ، صرت أستيقظ لأراه وأثبت وجوده محيطي ، عندما أفقده ألاحقه ، أطارده وأبحث عنه في كل مكان ، انتقلت الحمى إلى جسدي ، وهجرت أسرتي وعالمي باحثًا عنه .

المطارده :
أطارده ويطاردني ، لابد من معرفة سبب ملاحقته وتدميره لحياتي ، بتّ أخاف من وميض حتى الفكرة في ذهني ، فربما يعمد إلى اقتناصها ، في أحد المساءات وبعد أن ركض ورائي توقفت فجأة ، أدرت رأسي نحوه أدار رأسه نحوي أيضًا ، لكني لم أترك له الفرصة للهرب ، وركضت باتجاهه ، ركض أمامي ، لحقت به ، ولم أعرف كم من الوقت مر حتى صرنا وجهًا لوجه في ساحة المدينة المزدحمة بالناس !

شهوة الموت :
كان رجلاً مختلفًا عني بكل تفاصيله ، حصرته في زاوية وبدأ عراكنا ، البشر ينظرون إلينا بلذة الاستمتاع بمشهد القتل ، ولم يحاول أي منهم التدخل ، هتفوا لكلينا ، ومن أعينهم فاضت شهوة الموت .

غيبوبة ونصل سكين :
عندما لمع نصل حاد في الشمس بيد أحد المتفرجين ، أدرت وجهي نحو الجهة الأخرى وتمنيت لو أني فعلاً في كابوس ينتهي حالما أفتح عيني فتحتهما وإذا بالرجل صاحب السكين يقذف بها نحونا ، وحتى تلك اللحظة لم أعرف من التقطتها ، أنا أم هو ، لكن دماء غزيرة بدأت تدفق فجأة من جسدينا ، ودوار حاد لعب فينا وآخر شيء لمحته قبل دخولي الطويل في غيبوبة ، هو رأس يتدحرج إلى نهاية الشارع .

الآخر :
أفقت بعد مدة لم أستطع تحديدها ، كانت الملاءات نظيفة والأسرة مرتبة ، وروائح أدوية تعبق في المكان ، ما الذي حدث ؟ هل قتلته ؟ تخيلت أن شرطيًا يقف بباب غرفتي وحالما أستعيد عافيتي سيزج بي في السجن معتم استعدادا لشنقي .

اجتمع حولي أناس أراهم للمرة الأولى في حياتي ، وبدأت الممرضة بفك الضمادات. اقتربت مني ومسحت وجهي بالماء وطلبت الإذن بحلق ذقني ، وضعت رأسي في حضنها الرجل وبدأت بوضع معجون الحلاقة حول ذقني ، انتزعت من حقيبتها مرآة صغيرة ، وبابتسامة حانية طلبت مني مراقبتها ، عندما وضعت عيني في المرآة فوجئت بأني كنت أحمل رأسه !

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *