قصة الصحابي الذي لم يرى النبي

أن تتمتع بالسكينة والرضا خير لك من الدنيا وما فيها ، وأن تعيش غريبًا في سبيل رضا الله عزوجل لهو النعيم بعينه ، وأن يكون ورعك وبرك بأمك هو سبب لأن يرضى عنك الله عزوجل ، ويخبر الوحي رسول الله الكريم عنك وعن برك بأمك لكانت الجنة مستقرًا لك ومقامًا .

وهنا لا أتحدث بمحض كلامٍ يدعوك للبر ولكني أدلل على ذلك بقصة أحد أفضل التابعين والذي اشتهرت قصته بين المسلمين ، بأنه الصحابي الذي لم يرى الرسول صلّ الله عليه وسلم ، ولكن الرسول علم بأمره وذكره لعمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب ، حيث قال لهما : (إذا لقيتما أويس القرني فاسألاه أن يستغفر لكما  فأنه مجاب الدعوة) .

لقد جاء خبره من فوق سبع سموات حينما أخبر الوحي رسول الله صلّ الله عليه وسلم بخبر هذا العبد البار بأمه ، ففي رواية مسلم أن رسول الله صل الله علية وسلم قال : ( إن خير التابعين رجلٌ يقال له أويس وله والدة وكان به بياض فمروه فليستغفر لكم ) .

وقد ولد سيدنا أويس عام 594 ميلادية باليمن في بني مراد ، وهو أويس بن عامر بن جزء بن مالك بن سعد بن عصوان ابن قرن بن ردمان بن ناجية بن مراد الذي شهد له رسول الله رغم أنه لم يره ، وكان كلامه عنه صلّ الله عليه وسلم هو الذي جعل كلٍ من سيدنا عمر وسيدنا علي رضي الله عنهما يتمنون مقابلة أويس القرني حتى بعد وفاة الرسول ، لكي يستغفر لهم مثلما أخبرهم رسول الله عن فضله .

واستمروا في ترصد مواسم الحج التي تأتي من اليمن عامًا بعد عام لمدة عشر سنوات متتالية ، وهم يدعون أهل اليمن إلى الطعام ويبحثون فيهم عن أويس ولا يعثرون عليه أبدًا ، ثم في العام الحادي عشر سأل سيدنا عمر رئيس وفد الحجاج القادمين من اليمن أبقى أحد لم يحضر الوليمة ؟

فأجابه رئيس الوفد قائلاً : هناك فتى خامل الذكر يرعى الإبل خاصتنا ، فقال له سيدنا عمر أهو أشهل ؟ فقال رئيس الوفد اليمني كأنك تعرفه يا أمير المؤمنين ، فذهب سيدنا علي بن أبي طالب  وسيدنا عمر بن الخطاب إليه وسألاه عن هويته ؟ فقال لهم أويس أنا راعي إبل وأجير قوم ، فقال سيدنا عمر : لا نسألك عن ذلك ما اسمك الذي سمتك به أمك ؟

فقال أويس رضي الله عنه يا هذان من أنتما ؟ فقال سيدنا عمر أنا عمر بن الخطاب وهذا علي بن أبي طالب ، فوقف منتبهًا وقال : جزاكما الله خيرًا عن الإسلام ، فقد كان لكم شرف صحبة الرسول صلّ الله عليه وسلم ويا له من شرف ، وأما أنا فقد حرمت هذا الشرف فقال له سيدنا عمر : وكيف تتصور النبي يا أوس ؟

قال أوس أتصوره نورًا يملأ الأفق ويشع في الأرجاء ، فبكي سيدنا عمر شوقًا لرسول الله وقال له : أن النبي صلّ الله عليه وسلم أمرنا أن تستغفر وتدعو لنا ، فانتفض الصحابي فرحًا بأن رسول الله صلّ الله عليه وسلم ذكره بهذا ، وقال ما أخص بالدعاء أحد ولكني أعمم ، فقال سيدنا عمر عظني؟

فقال أويس : يا أمير المؤمنين اطلب رحمة الله عند طاعته واحذر نقمته عند معصيته ولا تقطع رجائك منة أبدًا ، فقال سيدنا عمر أفلا نأمر لك بصلة ؟ فقال : يا أمير المؤمنين لدي أربعة دراهم أتراني أنفقها ؟ وعلي رداء وإزار متى تراني أخرقهم ؟ فبكي سيدنا عمر وقال ليت أم عمر لم تلد عمر ، وطلب من سيدنا عمره أن يقيم عندهم .

ولكن أويس قال أنه يريد الكوفة ، فقال سيدنا عمر له أفلا أكتب لك إلى حاكمها ؟ فقال أويس : أحب أن أكون في دهماء الناس ، ومضي في طريقه إلى أن قضى نحبه في خيمة من خيام المسلمين ، وهو غير معروف في الأرض ولكن علمًا من أعلام الأمة في السماء .

فشهدت له السماء قبل الأرض بالزهد والإيمان ، وشهد له رسول الله والصحابة بالصلاح والتقوى ، ولقد ناصر أويس سيدنا علي بن أبي طالب وخرج معه في موقعة صفين عام 37 هجرية ، ودعا الله عز وجل أن يرزقه الشهادة فقال : (اللهم ارزقني شهادة توجب لي الحياة والرزق) ، وبالفعل استشهد ووجدوا بجسده أكثر من أربعون جرحًا .

ومن أقوالة المشهورة لأحد الرجال الذي كان يسأله الصحبة أن قال له سيدنا أويس : (سبحان الله ما كنت أرى أحدًا يعرف الله يستوحش مع الله ، فرحمة الله عليه وعلى الصحابة أجمعين الذين ضربوا جميعًا أروع الأمثلة في الإيمان بالله والتمسك بعقيدته .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *