قصة ثعلبة بن عبدالرحمن

من أجمل القصص التي يمكن أن تسمعها قصة هذا الصحابي الجليل الذي وقع في هفوة صغيرة وظل يكفر عنها وقتًا طويلًا والبكاء لا ينقطع من مقلتيه ، إنه ثعلبة بن عبدالرحمن رضي الله عنه الذي حضرت الملائكة جنازته ، وأنزل الله عنه وحيًا من السماء .

كان ثعلبة شابًا يافعًا بعمر 15 عامً وكان خادمًا للنبي صلّ الله عليه وسلم ، وكان يحب الجلوس دائمًا عند بيت النبي الكريم ، وكان الرسول صلّ الله عليه وسلم إذا أراد حاجة سريعة من الصحابة كان يرسل ثعلبة ، وفي يوم من الأيام أرسله رسول الله صلّ الله عليه وسلم في حاجة من الحاجات .

وأثناء مروره على بيت من بيوت الأنصار رأى امرأة تغتسل فنظر إليها مرة أو أكثر ، ثم انتبه وقال أعوذ بالله يرسلني رسول الله في حاجاته وأنا أنظر إلى عورات المسلمين ، وقال والله لينزلن الله في آيات أو ليجعلني الله تعالى من المنافقين ، وخشي أن يعود إلى بيته فيرسل النبي صلّ الله عليه وسلم في طلبه ، وخشي أن يعود إلى رسول الله ويخبره بما فعل .

فهام على وجهه ولم يدري أحد إلى أين ذهب ، وسأل رسول الله صلّ الله عليه وسلم عن ثعلبة ولكن لم يجده الصحابة في أي مكان بالمدينة ، فقد اختفي ثعلبة لمدة أربعين يومًا ، كان ثعلبة مختبئًا بين جبال مكة والمدينة ، فنزل جبريل على رسول الله صلّ الله عليه وسلم وقال : يا محمد إن الله يقرئك السلام ويقول أن هناك رجلًا من أمتك بين الجبال متعوذًا بي .

فأمر رسول الله صلّ الله عليه وسلم عمر بن الخطاب وسلمان أن يذهبا إلى تلك الجبال ويبحثوا عن ثعلبة ، واستمر سيدنا عمر وسيدنا سلمان يبحثان عنه ويسألون الأعراب عن مكانه ، ولم يعرفه أحد إلا أعرابي قال لهم أتريدون الفتى البكاء ، فقال سيدنا عمر ما قصة هذا الفتى البكاء ، قال الأعرابي : هناك شابًا منذ أربعين يومًا لا نسمع إلا صوت بكائه وعويله يأتي من أعلى الجبل ، فقال سيدنا عمر للأعرابي : كيف السبيل إليه  ؟

فقال الأعرابي إنه إذا غربت الشمس أقبل علينا هذا الشاب فنحلب له مزقه لبن ويختلط هذا اللبن بدموعه ، فيشربه ثم يعود إلى الجبل ولا نراه إلا من غد ، فأختبئ سيدنا عمر وسيدنا سلمان ولما غربت الشمس نزل ثعلبة وهو يبكي ، وحلب له الأعرابي اللبن وشربه ثم ذهب في طريقة عائدًا إلى الجبل ولكن أمسكه سيدنا عمر وسيدنا سلمان ، وتمنع عنهم ثعلبة وقال لهم ماذا تريدون ؟

قالوا إن رسول الله صلّ الله عليه وسلم أرسل يطلبك ، فقال ثعلبة أأنزل الله في آيات أو ذكرني الله مع المنافقين ؟ فقالوا ما ندري يا ثعلبة ، فقال لهم دعوني أموت بين هذه الجبال ولا تفضحوني بفعلي ، فقالوا له ما نتركك يا ثعلبة وأخذوه إلى بيته ثم ذهبوا به إلى رسول الله صلّ الله عليه وسلم واخبروه بما حدث .

فذهب رسول الله إلى ثعلبة ولما دخل رسول الله بكي ثعلبة ، فجلس رسول الله عنده وحمل رأسه ثم وضعها على فخذه الشريف ، فبكي ثعلبة وقال يا رسول الله : أنزل رأسًا قد امتلأ بالذنوب والمعاصي فقال رسول الله لا ، ثم قال : يا رسول الله أنزل رأسي فأنا أقل وأحقر ، فقال رسول الله صلّ الله عليه وسلم : لا يا ثعلبة ثم استطرد قائلًا له : ماذا ترجو يا ثعلبة فقال ثعلبة : أرجو رحمة ربى فقال رسول الله لثعلبة مما تخاف ؟

قال ثعلبة أخاف من عذاب الله فقال النبي عليه السلام وماذا تأمل ؟ قال آمل في مغفرة الله تعالى فقال صلّ الله عليه وسلم : لأرجو الله أن يعطيك ما ترجو وأن يؤمنك مما تخاف ، ثم قال ثعلبة إني لأشعر بدبيب كدبيب النمل بين جلدي وعظمي فقال رسول الله أو تشعر بذلك ؟ فقال ثعلبة : نعم يا رسول الله فقال رسول الله إنه الموت قد نزل بك يا ثعلبة .

فتشهد يا ثعلبة فانتفض ثعلبة ونطق الشهادة ثم مات ، فغسله رسول الله وكفنه ثم صلى عليه رسول الله والصحابه رضوان الله عليهم ، وحملوه على نعشه يذهبون به إلى قبره ، وكان رسول الله صلّ الله عليه وسلم يمشي على أطراف قدميه كما لو أنه في زحام شديد ، فقال عمر رضي الله عنه لرسول الله صلّ الله عليه وسلم : يا رسول الله لما تمشى على أطراف أصابعك والناس قد أوسعوا لك ؟

فالتفت النبي لعمر وقال له : ويحك يا عمر والله لا أجد لقدمي موضعًا من كثرة ما يزاحمني عليه الملائكة ، نعم مات ثعلبة ووقع في معصية يتخيلها بعضنا صغيرة ، لكنه عظم رب الأرض والسماء وخاف أن ينزل به البلاء ، فأقبل على الله تائبًا منيبًا يرجو رحمة الله ، حتى توفاه سبحانه وتعالى ورضى عنه رسول الله صلّ الله عليه وسلم رحمة الله عليه وعلى صحابة رسول الله أجمعين .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *