قصة لعنة الساحر

أحمد شاب عشريني طموح ، أتى من قرية نائية معتمدًا على شهاداته وذكائه المفرط ، وبحث عن عمل لتستقبله كبرى الشركات ، وتهيئ له مقعدًا بين موظفيها ، نظرًا لما قدمه من شهادات خبرة وكفاءة ، ووعد أحمد بالعمل لديهم من اليوم التالي .

انطلق أحمد عقب انتهاء المقابلة ، برفقة صديقه خالد ، بحثًا عن منزل ليقيم فيه ، فوجدوا شقة صغيرة بالقرب من محل العمل ، وكانت رخيصة الثمن جدًا ، فذهبا ليطلعا عليها ، ولكن ما أن دخلا حتى شعرا باختناق شديد ، وقال أحمد ما تلك الرائحة الكريهة ، يبدو أننا دخلنا مقبرة .

فالرائحة هنا نتنه للغاية ، فارتبك الرجل الذي أخذهما ليشاهدا الشقة ، وكان يعمل بوابًا لنفس العقار ، وأخذ يفتح النوافذ واحدًا تلو الآخر ، وهو يبرر تلك الرائحة بانغلاق الشقة ، لفترة طويلة منذ أمد ليس ببعيد جدًا ، فجأة استدار الرجل وازداد توتره ، ثم قال سيدي هذا هو الساكن الجديد ، فأومأ الرجل برأسه دون أن ينطق بكلمة ، فقال أحمد لصديقه هامسًا بسخرية ، ما طقوس التبجيل التي عفا عنها الزمن هذه ، فاستدار إليه الرجل يرمقه بنظرة ، لم يستطيع أحمد نسيانها طيلة حياته ، وقد سأله صديقه أن يرحل من هذا المكان ليبحث عن غيره ، ولكن أحمد أصر على البقاء !

نعم أصر على البقاء من أجل صاحب العقار ، فقد كان الرجل ونظرته بشعان للغاية ، ولعل شخص آخر كان قد رحل ، منعًا لتلك المخاوف التي تقفز للذهن عند رؤية هذا الرجل ، خاصة وأن نظرته كانت مخيفة وبحق ، فقد رأى أحمد عيناه قد تحولتا للون الأسود القاتم ، وانصرف دون حديث .

تجول أحمد بالمنزل ، وشاهد طابقًا غير الذي يقف فيه ، فصعد مستكشفًا ، ليجد على الحائط من المنتصف خربشات على الجدار ، وكان هناك من كان يخدشه بأظافره ، ونظر أمامه ليجد غرفة في نهاية الممر ، تقدم نحوها ولاحظ أن الخدوش تتجه للداخل ، وكأن هناك من تم سحبه وهو يتشبث بها ، وفتح الباب ليشم رائحة العفن آتية من داخل الغرفة ، فعاد مسرعًا إلى حيث أتى .

ظل أحمد مستيقظًا وذهب يضع ثيابه في لخزانة ، ولكن ما أن فتحها حتى وجد قطًا أسود ينظر إليه ، بنفس نظرة صاحب العقار ، فهلع قليلاً وقرأ بعض القرآن ، فاختفى القط فورًا بعد أن زمجر غاضبًا .

نام أحمد من شدة التفكير فيما حدث ، وقبيل الفجر استيقظ وهو يشعر بأن هناك من يراقبه ، لينظر وقد وجد رجلاً يقف أمام الباب ، ويترنح للأمام والخلف ، وقدماه مثبتتان ، وكأنهما قد تم ربطهما بالأرض ، فكر أحمد في الركض والفرار من هذا المكان ، إلا أن الرجل كان يقف أمام الباب ، فأغمض أحمد عينيه وظل يقرأ بعض ما يحفظ من القرآن ، لينطلق آذان الفجر ويختفي الرجل .

ظل أحمد مستيقظًا حتى شروق الشمس ، ثم ارتدى ثيابه وانطلق نحو عمله ، ليجد خلد مقابلاً له بابتسامه عريضة ويسأله عن ليلته ، ويرد هو باقتضاب جيدة ، ومضى اليوم .

عاد أحمد بالمساء ، ليسمع صوت خطوات داخل الشقة ، ففتح الباب ببطء ، والصوت مازال يصدر عن الطابق العلوي ، وكأن هناك من لم يسمعه ، فحمل عصا غليظة وصعد بخفة للأعلى ، وفتح باب الغرفة فجأة ولكنه لم يجد أحدًا !

خرج ومجرد أن خطى إلى لخارج حتى عاد صوت الأقدام بالداخل مرة أخرى ، فدخل فجأة ولكن توقف الصوت ثانية ، فهبط للطابق الأرضي ليرتاح قليلاً ، وفي منتصف الليل استيقظ أحمد فجأة ، وجلس بالفراش ولكن فجأة انقطه التيار الكهربائي ، فتحسس كشافًا كان قد أتى ، وحمله عندما سمع الخطوات مرة أخرى من الأعلى ، فتحرك ببطء نحو الأعلى ، وسمع صوتًا يناديه باسمه !

ما هذا هل تدعوني الأشباح لقضاء الليلة معها ، وتقدم من الغرفة ودار بالكشاف يمينًا ويسارًا ، وشاب شعره عندما وجد الصوت لشابة عشرينية ، صوتًا ناعمًا يصدر ولكن ممن ؟ إنه قط يجلس في الخزانة ويرمقه بشغف شديد .

هرع أحمد ركضًا إلى الخارج ، وذهب لخالد الذي اندهش مما رواه صديقه ، وقرر الذهاب معه إلى المنزل في اليوم التالي ، ولم يجدا الخدوش على الحائط ، أو القطط أو أي من هذا ، فنصحه خالد بالاسترخاء والحصول على أجازة من العمل .

حصل أحمد على أجازة وابتاع كاميرات للمراقبة ، نعم فقد أصر أن يوضح الأمر لصديقه ، وأنه ليس مخرفًا ، فثبت الكاميرات وربطها بالحاسوب ، وراح في نوم عميق .

استيقظ أحمد بالصباح ، وهو لا يدري كيف نام كل هذا تلك الليلة ، إلا أنه عندما استيقظ بدأ يفحص الحاسوب ، ليرى ما تم تسجيله ، ثم حمل الأشرطة وذهب لصديقه ، نظر له خالد وقال له هل أتيت لتريني نفسك أمام الكاميرا .

فاندهش أحمد وقال له لقد كنت نائمًا ولست أنا من ينظر للكاميرا ، ثم نهض وهم أن ينصرف من منزل خالد ، إلا أن الأخير صاح باسمه ، وأخبره أن يأتي حيث كان أحمد ، قد ثبت الحاسوب بحيث يستطيع مراقبة المنزل ، وهو خارجه فوجد نفسه يقف أمام كل الكاميرات الموجودة بالمنزل ، ويتحدث بصوت أجش للغاية ، فاتسعت عينا الاثنان رعبًا .

ذهب كلا الشابين إلى حارس العقار ، واقتحما منزله وهدده أحمد بالحبس ، إذا لم يفحص عما يحدث ، فأجابه أن الرجل الذي رآه أحمد برفقته ، لم يكن سوى زعيم ، تلميذ السيد الذي يخدمه هذا الرجل ، وقد أراد زعيم الحصول على أسرار كتاب السحر ، وقام بقتل معمله من أجل هذا الكتاب ، وقد خان بذلك قسم السحرة ، فحلت اللعنة على روحه وحُبس داخل المنزل ، وكان كلما يهرب يجد نفسه بالليل داخل المنزل مرة أخرى ، ولن يجد سبيلاً لتركه سوى بوجود أضحية بديلة له .

نظر الشابان إلى بعضهما البعض ، وذهبا إلى المنزل في المساء وقاما بإشعال النيران به ، بعدما حصل أحمد على أغراضه ، وجلسا يشاهدا النيران وهي تلتهمه ببطء شديد ، ويستمعان إلى أصوات الصراخ الآتية من الداخل ، فقد كانت روح زعيم تحترق جزاء بما اقترفت يداه .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *