قصة قصيدة رومانثي ابن الأحمر

اشتهرت إسبانيا بنوع من الشعر الذي كان مجهول الكاتب وعُرف باسم “رمانثيرو” Romancero ، وكان ذلك خلال القرنين الرابع عشر والخامس عشر الميلاديين ، وكان عبارة عن نوع من القصائد الشعبية التي تداولتها الأجيال تباعًا عن طريق المشافهة ، ومن أبرز هذه الأشعار التي نالت شهرة واسعة قصيدة عُرفت باسم “رومانثي ابن الأحمر” Romance de Abenámar).

وصف القصيدة :
بدأت القصيدة بعبارة “ابن الأحمر .. ابن الأحمر” ، وتميزت بجاذبيتها الخاصة لكونها صورت المشاهد التي تتحدث عنها وكأنها صورة حية تحاكي الواقع ، رصدت الأحداث التي ترتبط بمدينة غرناطة والتي تُعد آخر حصون المسلمين داخل بلاد الأندلس ، تحكي القصيدة عن قصة ملك أندلسي قام بتسليم صلاحياته لتصبح في يد الملك الإسباني دون خوان الثاني ، وذلك من أجل أن يحصل على حمايته .

تاريخ القصيدة :
يرجع تاريخ هذه القصيدة إلى عام 1431م ، وقد نسبها المؤرخون إلى شاعر من غرناطة كان يتقن اللغة الإسبانية بالإضافة إلى تميزه في إتقان الشعر العربي ، وقد تحدث المؤرخ والمستشرق جوان فيرنيت بهذا الشأن قائلًا : يعود الفضل في تنظيم هذه القصيدة إلى شاعر مسلم غرناطي .

والذي كان مُطلعًا بشكل جيد على الشعر العربي ، كما كان يُتقن اللغة القشتالية ، وقد واتته فكرة أحداث هذه القصيدة من إحدى الوقائع التي حدثت خلال عام 1431م ؛ حينما انتقل الأمير الملكي النصري ابن الأحمر لينضم إلى صفوف الملك خوان الثاني قبل أربعة أيام من وقوع معركة هيكويرويلا .

تركيب القصيدة ومحتواها :
تتحدث القصيدة عما كان يصبو إليه الملك دون خوان الثاني ، وهو أن يسيطر على غرناطة من أجل ضمها إلى حدود مملكته ، مما جعل هناك حوار قائم بينه وبين ابن عمار الذي كان يحاول إقناعه أن يبتعد عن مدينته الجميلة ، وجاءت مقدمة القصيدة تقول :”ابن الأحمر .. ابن الأحمر ؛ أيها العربي القادم من أرض العرب ، اليوم الذي وُلدت فيه ؛ كانت هناك علامات بارزة في الأفق ..”

أوضحت القصيدة مدى انبهار ماك إسبانيا وإعجاب بمدينة غرناطة ؛ حيث قام باستحضار العناصر الطبيعة والثروات التي تحظى بها هذه المدينة مثل أبراج برميخاس ، وقد تحدث ابن عمار في هذه القصيدة بكل ما هو حقيقي وذلك لأنه انسان شريف وُلد لأب مسلم وأم مسيحية ؛ والتي سعت أن تعلمه الصدق دائمًا وألا يلجأ إلى الكذب ، مما جعله صادقًا في وصفه لذلك المهندس الذي أسس تلك المعالم البالغة الشموخ .

ينتقل الملك الإسباني من الحوار مع ابن عمار إلى الحديث مع مدينة غرناطة نفسها ، والتي يعرض عليها الزواج وكأنها امرأة حسناء قائلًا في حواره : غرناطة ؛ إن شئتِ ، أتخذكِ زوجة من أجلي ، سأمنحكِ قرطبة وأشبيلية كمهر وصداق .. ”

شبهّ الملك مدينة غرناطة بالمرأة التي يتقدم للزواج بها ويعرض عليها المهر والصداق ، وذلك ليؤكد مدى جمال هذه المدينة وروعتها وحُسن اطلالتها ، وكان ذلك التشبيه له جذور وأساسيات داخل الشعر الأندلسي ، والذي كان يعتمد أيضًا على مثل هذه الأوصاف لمدينة غرناطة .

يعمل شعر الرومانثيرو على وصف الوقائع التاريخية ورصدها عن طريق مزج الواقع مع الصور الخيالية ؛ ليبرز صورة جمالية رائعة ، وقد انتشر ذلك النوع من الشعر خلال الفترة التي سبقت سقوط بلاد الأندلس .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *