قصة جانيت كاي

هناك فرق شاسع بين المرض النفسي والعقلي فالمريض النفسي شخص عاقل ولكن لديه بعض القصور أو الاضطراب في الشخصية ، وقد ينتج هذا بسبب عامل الوراثة أو الأزمات المتتالية التي قد تطيح براحة واطمئنان الفرد حين يعجز عن مجابهتها .

والمرض النفسي ليس حكرًا على سن أو نوع بعينه ، فقد يصيب كبيرًا أو صغيرًا ذكرًا أو أنثى ، كلنا معرضون للإصابة به في لحظة بسبب أو دون سبب ولكن ما الذي يجعل طفلة تبلغ من العمر ست سنوات فقط تصاب بمرض مثل الاكتئاب ؟

كان هذا هو السؤال الذي يشغل عقل السيدة جانيت كاي التي تبلغ من العمر خمسون عامًا ، وهي تنتظر دورها بمركز الطب النفسي ، حيث لاحظت أثناء وجودها بالمركز طفلة تجلس بصحبة أمها ، وكان يبدو عليها أنها هي التي تعاني من خطب ما ، فالأم كانت هادئة كل فترة تربت على كتف ابنتها الصغيرة .

لكن البنت لم تكن تستجيب لتودد أمها وكانت كمن يسبح في وادٍ أخر وتلعب بعروستها دون أي بهجة أو انفعال كأنها تتم مهمة معينة بكل جدية وجهد ، لم يعبر هذا المشهد على جانيت مرور الكرام ، حيث تعاطفت كثيرًا مع تلك الفتاة وأخذت تفكر في حالتها متناسية مرضها وسبب زيارتها للطبيب .

فأي مشكلة عويصة قد تحدث لفتاة في صغيرة في عمر الزهور ، وتدفع بها إلى طوفان المرض النفسي ؟ كانت جانيت تفكر في ذلك حين حان دورها بالمركز الطبي وبدأت تستعيد ذكرياتها وكيف أل بها الحال إلى ما هي فيه .

كانت زوجة لرجل عزلها عن العالم ، فجعلته محور اهتمامها لم ترى غيره ولم تصادق سواه ، جعلها تقطع كل علاقاتها بصديقاتها القدامى ، منعها من الزيارة والتزاور جعلها دميته التي يحركها كيفما يشاء ، ورزقه الله منه بطفل وحيد ربته حتى صار شابًا يافعًا ، ولكنه فجأة مات وتركهما .

فحزنت الأم وغرقت في دوامة الألم الشديد وبدلًا من أن يقف زوجها إلى جوارها تركها وتزوج بأخرى بعد عشرة دامت ثلاثين عامًا ، كانت صدمتها صدمتين صدم الابن الراحل والزوج الخائن ، لذا لم تستطع جانيت المقاومة شعرت بالوحدة الشديدة وغرقت في دوامة الاكتئاب الشديد ، وها هي الآن تقف أمام الطبيب لتتلقى العلاج.

بمجرد أن رحب بها وسألها عن حالها انفجرت جانيت باكية وهي تقص عليه مأساتها وما حدث معها في هذه الدنيا غير العادلة ، حدثته عن وحدتها ورغبتها في الموت ، أسهبت في الحديث عن فشلها وأنها لا تستطع فعل شيء من غير زوجها .

كان كل حديثها يدور في فلك الموت وأنه هو السبيل الوحيد للراحة مما هي فيه ، وطلبت منه أن يعطيها داوء يريحها ويجعلها تتكيف مع الاكتئاب الذي يسيطر على حياتها حتى يحين الأجل من عند الله ، فأعطاها الطبيب حقنة مهدئة وطلب منها أن ترتاح بالغرفة المجاورة حتى ينتهي من باقي الحالات ويجلس معها ثانية

وبعد أن خرجت جانيت حان دور الصغيرة ذات الستة أعوام ، كانت تدعى ريتا طفلة جميلة بعينين زرقاوين وشعر دهبي لامع ، حينما دخلت ابتسم لها الطبيب وطلب أن تقص عليه كل ما يزعجها ، فأخبرته أن كلبتها ماتت مسمومة .

وحدثته عن عمق الرابطة التي كانت بينها وبين تلك الكلبة وكيف أنها كرهت الحياة من بعد رحيلها ، ثم أجهشت الصغيرة بالبكاء وهي تتذكر كلبتها ، فحاول الطبيب تهدئتها وطلب من أمها أن تأخذها وتنتظره بالخارج حتى ينتهي من الحالات التي لديه .

وبعد أن أنهي الطبيب الحالات التي لديه استدعى السيدة جانيت والطفلة ريتا بعد مراجعة بيناتهما ، فقد اتضح له أن الاثنتين يسكنان بالقرب من بعضهما فقرر أن يلعب معهما لعبة غيرت مجرى حياتهما حيث قال لجانيت علاجك هو ريتا وقال لريتا علاج ك هو جانيت .

في البداية لم تفهم الاثنتين. المغزى مما قاله الطبيب ، ولكنه أوضح لهم أن العلاج في تطبيق ما يقوله لهم وطلب من جانيت أن تذهب كل يوم لبيت ريتا وتقابلها وطلب من ريتا أيضًا أن تكتب كل يوم في ورقة الأشياء التي تود أن تفعلها ولكنها لا تستطيع بسبب موت كلبتها ثم تعطيها لجانيت فتفعلها هي ، ويظلوا هكذا لمدة أسبوع.

تعجبت الاثنتين من هذا الطلب الغريب ولكنهما انصاعا لأوامر الطبيب ، وبالفعل توجهت جانيت في اليوم التالي لمنزل ريتا التي خرجت وأعطتها ورقة مطوية فأخذتها جانيت وغادرت وحينما فتحتها وجدت بها كلمة واحدة ( أرقص ) .

فاندهشت من الطلب الغريب ولكنها على الرغم من ذلك قررت تنفيذه في محاولة علاج أخيرة ، وعلى الفور وضعت سماعات الmp3 في أذنها ، وأخذت ترقص وتتمايل على نغماتها أثناء قيامها بأعمال المنزل ، فسبب لها هذا شعورًا بالبهجة .

وفي اليوم التالي اتجهت جانيت لريتا لتأخذ الطلب الجديد ، فسألتها ريتا عن تحدي الأمس وما فعلته فيه ، فأخبرتها جانيت بما حدث فانتقلت البهجة لريتا وأصبحت شغوفة لمعرفة نتائج التحديات ، ظل الحال على هذا الوضع لمدة عشرين يوماً فقد استهوت اللعبة الاثنتين وظلا يلعباها.

كل يوم ريتا بطاب جديد (أرقص ، أقبل أضحك ، أفرح ) وجانيت تحاول جاهدة تنفيذ الطلب حيث تواصلت مع اقاربها وصديقاتها القدامى كي تقبلهم وتضحك معهم ، وأثناء ذلك اكتشفت جانيت أنهم أناساً طيبون ولبسوا سيئين كما كان يصور لها زوجها من قبل .

انغمست رينا مع أصدقائها وأقاربها وبدأت تزور وتتزاور وتحولت حياتها من الوحدة إلى التجمعات ، شعرت جانيت أنها صغرت عشرين عامًا ، وربطت بينها وبين ريتا صداقة من نوع خاص .

وحينما زارتا الاثنتان الطبيب بعد عشرين يومًا كانتا مختلفتين تمامًا امرأة تخطت منتصف العمر وطفلة في أوله ولكنهما متقاربتان ، وكان نتيجة هذا التقارب أن ألفا سويًا كتاب أسموه هدايا من كلمات ، وكان لهذا الكتاب دورًا كبيرًا في اسعاد الكثير من مرضى الاكتئاب .

المصادر :
– كتاب ( You being beautiful ) تأليف دكتور ” مايكل رويزن ” .. قصة ” جانيت كاى “

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *