قصة غزوة حمراء الأسد

يرجع سبب تسمية حمراء الأسد بذلك الاسم إلى منطقة تبعد ثمانية أميال من المدينة المنورة ، ولا يمكن أن نعتبرها غزوة مستقلة بذاتها بل هي امتداد لغزوة أحد ، حيث وقعت في صباح اليوم التالي لغزوة أحد يوم 18 من شهر شوال في السنة الثالثة من الهجرة .

وكان السبب وراء تلك الغزوة هو مطاردة القرشيين ، ومنعهم من اللحاق بالمسلمين فقد بات الرسول صلّ الله عليه وسلم يفكر في الموقف بعد أحد ، وأشفق من أن يعود جيش المشركين لغزو المدينة ، وأحس بما يعانيه الصحابة من مرارة الهزيمة في أحد .

ورأى النبي أن خروجه لملاحقتهم بجيشٍ مثقلٍ بالجراح ، هو خير رسالة للأعداء بأن المسلمين لا زالوا أعزة ، ولذلك عزم الرسول صلّ الله عليه وسلم على أن يقوم بعملية مطاردة لجيش الكفار ، فأمر الرسول بلال بن رباح بأن ينادي في المسلمين بضرورة التعجيل في الخروج للجهاد ، وكان ذلك لمن شهد أحد بالأمس .

فتجمع الذين كانوا مع الرسول بالأمس وأصابتهم الجروح والآلام والقروح ، ورغم ذلك لم يستريحوا بل انطلقوا خلف رسول الله صلّ الله علية وسلم يريدون الشهادة في سبيل الله استجابة لنداء النبي الكريم ، وقد قال الله عز وجل في ذلك قوله الكريم : { الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ القَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ واتَّقَوْا أَجْر عَظِيم } (سورة  آل عمران ، الآية172).

وعن السيدة عائشة رضي الله عنها أنها قالت لعروة : ( يا ابنَ أُخْتي ، كانَ أَبَوَاكَ منهم الزبير وأبو بكر ، لمَّا أَصاب نبيَّ الله صلى الله عليه وسلم ، ما أَصاب يوم أُحد ، فانصرف عنه المشركون خاف أَن يرجعوا ، فقال: مَنْ يذهب في إِثْرِهِم ؟ فانتدب منهم سبعون رَجُلاً ، قال : كان فيهم أبو بكر والزُّبَيْرُ ) رواه البخاري.

وكان الصحابة في غاية الحرص على الخروج للجهاد برغم جروحهم ، فيحكى عن ذلك رجلٌ من بني عبد الأشهل ويقول : شهدت أحدًا أنا وأخ لي وكنا جريحين ، فلما أذن بلال للخروج للجهاد قلت لأخي وقال لي : أتفوتنا غزوة مع رسول الله ،  والله ما لنا من دابة نركبها وكنت أخف جرحًا من أخي ، فكان إذا غلبه التعب من جرحه حملته عقبة ومشى عقبة حتى انتهينا إلى ما انتهى إليه المسلمون .

وسار المسلمون حتى بلغوا حمراء الأسد فعسكروا بها ، وأمر الرسول صلّ الله عليه وسلم بإشعال النيران ، فكانوا يشعلون في وقتٍ واحدٍ خمسمائة نار لإرهاب أعداء الله ، وكان قد أقبل معبد بن أبي معبد الخزاعي إلى رسول الله وأعلن إسلامه ، فأمره رسول الله أن يلحق بأبو سفيان فَيُخَذِّلَه حيث أنه لم يكن يعلم بأمر إسلامه بعد .

إلا أن أبو سفيان حاول أن يغطي انسحابه بشن حرب نفسية على المسلمين ، لعله ينجح في وقف مواصلة جيش رسول الله مطاردتهم ، فلما مر به ركب من عبد القيس في طريقه للمدينة من أجل التجارة ، قال لهم : أبلغوا محمد أنا قد أجمعنا الكرة لنستأصله ونستأصل أصحابه .

فأخبروا الرسول بذلك فقال رسول الله صلّ الله عليه وسلم : حسبنا الله ونعم الوكيل ، واستمر المسلمون في معسكرهم وعاد جيش الكفار إلى مكة ووقع في أسر الرسول أبو عزة الجمحي ، وكان شاعر أسره الرسول في غزوة بدر وأطلق سراحه بغير فدية رحمة ببناته ، واشترط عليه ألا يقف ضد المسلمين .

فلم يحترم ذلك وقاتل مع المشركين فأمر الرسول بقتله وقال كلمته التي صارت مثلاً : ” لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين ” رواة البخاري ، وبعدها عاد المسلمين إلى المدينة بهمة عالية وروح مرفوعة ، ومسحت تلك الغزوة ما حدث بأحد من خسائر تكبدها المسلمون ، حتى أنهم أفسدوا انتصار الكفار وشماتة المنافقون .

وقال الله عز وجل فيهم : { الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ * الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ * إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } (آل عمران ، الآية : 172 – 175).

وقد أظهرت غزوة حمراء الأسد قدرة المسلمين على التصدي لخصومهم وأعدائهم وهم في أحلك الظروف ، ليضربوا بذلك أروع الأمثلة في السعي والتفاني من أجل إرساء رسالة التوحيد ونشر الإسلام .

قصص مميزة:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *