قصة رجل في قارورة إمرأة

عرفتها في زمن الفطحل ، حيث كانت الحجارة رطبة وقبل بدء التاريخ عشقتها بجنون ، وهمت بأطياف سحرها ، وألغيت من حياتي الحزن والحسرة ، كان كل يوم جديد عيدًا لميلاد يوم سعيد ، فالشمس لن تشرق إلا كي أشاهد وجه حبيبتي ، حتى الزهور لا تتفتح إلا لتقلد ابتسامة حبيبتي ، هكذا كنت وكانت وكانوا .

امرأة فريدة من نوعها :
إلى أن ضيعني قدري ، فأصبحت دموعها لألئ يتاجر بها أثرياء بلادي ، ودموعي ماءً طهورًا لأحزان فؤادي ، وفقدت الكثير من الدم والمبادئ ، وأشياء أخرى ، ومن بين ما فقدت سر وشيجتي بها ، فصارت تعصف وتعبث بي ومعي كما تشاء ، كمهرة جامحة متوحشة ، ترفض السدود والحدود ، لا يطيب لها إلا دهس ذكرياتي وأحلامي ، أقدامها لا تفرق بين الصخور والزهور ، تأتيني حينما تريد لتحرقني بأنفاسها الملتهبة ، ولتصهر انتصاراتي الكاذبة وأوسمتي التالفة ، أقفز في حبها درجات ، وهي تدفعني للعذاب دركات ، الهروب منها يعني الوقوع في دوامة عشقها ، إنها امرأة فريدة من نوعها ، لم أقابل مثلها إبان تجوالي في مطارات ، وموانئ ، وفنادق ومعتقلات العالم أجمع !

حنان يغطي الدنيا كلها :
وكم من المرات تصورت بأن نظام الكون يدور حول محورها ، وإلا ماذا تعني صورها التي تغطي كل الشوارع والجدران ، والصحف والمجلات ، وعلب السجائر؟ ومن هي حتى تكون بكل هذه لشهرة ؟وإذ سألتها عن ذلك أجابتني إجابات ساخرة ومبهمة ، ثم تعود لممارسة هوايتها في جمع الكلمات لتكون منها جملاً مفيدة ، في عالم يكسوه اللون الرمادي ، وله طعم الحنظل ، ولها حنان يغطي الدنيا كلها ، إلا أنا ! إلا أنا !

المتنمرة :
لقد كانت توقظني متوسلة كي أطفئ الشمعة لها خوفًا على الفراشة ، التي تحوم حول لهبها ، وأنفذ لها ما تريد ، وأمزق لها دياجير الليل ووحشته ، بسرد الأكاذيب الكبرى ، واجترار الأوهام ، آه ، دمها يرفض البرودة والتخثر ، مثلما هي ترفض توسلاتي وتضرعاتي ، وتدحرها بسيول شبقيتها لتمنيني غرقًا ببحر قسوتها ، لا توجد في علاقتنا أية عدالة بيولوجية ، فأنا لي ثقب واحد ، ولها عدة ثقوب بظهري ، تحفرها بأظافر كفيها ، عندما يثور البركان ، ويفيض النهر ، ليمتزج دمي بعرقي ، وشهوتي بألمي وصرخاتي ، انها تجيد التنمر والتثعلب عليّ ، وتخادعني بجريها أمامي .

أسخن من دبابابتي حينما احترقت بي :
أيتها القبور اطردي موتاك ! فإنهم لا يجيدون الحياة ، فقد أرسلت لك بدلاً عنهم امرأة تعشق كل شيء ، وتعرف وتجيد كل شيء ، انها تزرع الأمل وتنشر الرمل في الصحراء ، لتخرج منها لؤلؤًا وياقوتا ، نعم إنها ساحرة !

فحينما تلمسني تلغي مرارة الحاضر ، وتبعث في نفسي نشوة مزخرفة ، ولما تحتضنني تتوقف دقات الساعة ، وتنفرج عقاربها الملساء بحبور ، ولا يسمع سوى طقطقة عظامي كأجمل معزوفة ، وتضع في فمها قطعة ثلج صغيرة كي لا تحرقني بأنفاسها الساخنة ، ولكنني أجدها أسخن من دبابابتي حينما احترقت بي .

رجل في قارورة امرأة :
يا ليت الأطباء أخرجوا الشظية من جمجمتي ، لربما مت حينها ، وحددت خسارتي مسبقًا ، نعم إنني نادم على قتلها ، فأنا أعيش في قارورة تلك المرأة ، ولكن ماذا أفعل ؟ وهي تؤجج بداخلي دومًا نار الغيرة ، لتحرق ما تبقى لدي ، فلقد اتصلت بها اليوم عدة مرات ، ولم أسمع سوى نغمة انشغال الهاتف ، حسبتها تكلم عشيقًا ، انتابني هاجس يخدش بمخالبه الملوثة الأماكن البيضاء بداخلي ، ودفعني للمنزل متسلسلا كالقط الأسود ، وأنا أحمل سكيني ، فجأة قفزت أمامها ، وصحت بها قائلاً : انى أتصل بك منذ الثورة الفرنسية ، وهاتفك مشغول ، فمع من كنت تتكلمين ؟ أجابت بلا مبالاة : ان هاتفي عطلان ألم تقرأ هذا في الصحف ؟!

الخيانة :
انتفضت وقررت أن أحسم الأمر ، وأمنع وقوع الخيانة مستقبلاً ، من أجل ذلك طعنتها بالسكين ، فكل ما في هذه المرأة المثيرة يدفعها للخيانة ، ولكن الذي يحيرني أن دمها يرفض التخثر ، والبرودة التي بدأت تتسرب إلى أطرافي !

عندما فتحت عيني ، وجدتها بصحبة رجل آخر ، حاولت النهوض لكن وجدت ما يشل حركتي ويقطع أنفاسي ، سمعتها تقول للرجل الآخر : لماذا أفزعته هكذا ؟ أجابها الرجل بتعجب : لقد مزق كل الوسائد بسكينه وكاد أن يقتلني ! صرخت به قائلة : أنت الذي طعنت زوجي المسكين ؟ ، قاطعها الرجل قائلا : لم يكن زوجك مسكين بل كان مجنون ، ألم تشاهديه وهو يطعن نفسه بمحض إرادته ؟!

القائد المجنون المقتول :
قالت بأسى وكأنها تخاطب نفسها : في البداية أراد أن يكون بطلاً ، فكان مجنونًا ، وفي النهاية كرر المحاولة فكان مقتولاً ، انهما يكذبان ! يكذبان ! فقائد القطيع عليه أن يدافع ويهاجم ، وإلا لا يكون قائدًا .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *