قصة شهاب الدين بن ماجد

مياه الخليج هادئة ، ميناء سيراف ممتلئ بالسفن ، ، من هنا ترحل هذه السفن إلى كل مكان ، إلى الهند والصين ، إلى أرض الحرير والبهارات والحكايات الغريبة ، وفوق الصواري كان بحارة الخليج السمر الأشداء ينتظرون إشارة الرحيل ، ولكن شهاب الدين ، كان حزينًا وهو يقول : خذني معك يا أبي لقد أصبحت كبيرًا ، وأريد أن أرحل عبر المحيط .

البرين :
ولكن الأب الربان ، قال له في حزم : ربما في رحلتي القادمة ، ربما في العام القادم ، كان الأب عملاقًا أسمر اللون ، يطلق عليه البحارة اسم الربان : البرين ، بر العرب وبر العجم ، انشغل بترتيبات السفر فلم يرى عيني ابنه الدامعتين ، كان ، شهاب الدين ، مصمما على الرحيل ، أتعرفون كيف يضرب الموج الصخر في عناد ، هكذا كان شهاب الدين ، عيدًا .

ومضت السفينة بالقرب من شاطئ الخليج ، عبر عشرات من قوى الصيادين الفقراء والباحثين عن اللؤلؤ ، كانوا يلوحون للسفينة ، مع السلامة ياربان ماجد ، عُد لنا سريعًا ، احك لنا كيف تصعد الأفيال على الشجر ، وتنام الجنيات تحت الشمس ، وكيف تقدم الحيتان هدايا العنبر ، مع السلامة يا ربان .

الربان ماجد :
كانت أجمل مراحل السفر ، فبعد أن تغادر السفينة الخليج ، وتعبر مضيق هرمز ، حتى تبدأ رحلتها مع المجهول ، إلى المحيط الهندي المضطرم المليء بالعواصف والجزر الصخرية ، والمسالك الغامضة ، ولكن لا أحد يخاف من هذا المحيط إذا كان في صحبة الربان ماجد ، صرخ في الرجال : ارفعوا الأشرعة .

الابحار :
ورفع البحارة الأشرعة فامتلأت بالهواء ، وأصبحت السفينة أشبه بطائر بحري أبيض اللون لا يكاد يمس الموج من فرط سرعته ، وتذكر ابنه شهاب الدين ، سوف يأخذه معه في العام القادم ، سوف يجعله أعظم بحارة الخليج ليكون ربانًا عظيمًا ، ولكن عليه قبل ذلك أن يتعلم القراءة والكتابة جيدًا ، وأن يتم حفظ القرآن ، ويقرأ كل الكتب التي كتبها الأب عن رحلاته ، وكل كتب البحارة الآخرين ، بعد ذلك يكون مهيأ لركوب البحر .

بعد مرور يومان على الابحار والمفاجأة :
كان قد مرّ يومان على بدء الرحلة ، عندما صاح أحد البحارة : يا قبطان ماجد ، انظر ماذا وجدنا ؟ ، كان البحار يمسك غلامًا صغيرًا ، إنه شهاب الدين ، كيف جاء إلى هنا ، وقال البحار : لقد وجدته يا سيدي مختبئ في قاع السفينة ، كان شهاب الدين يرتجف أمام أبيه ، الآن فقط أحس بفداحة الخطأ الذي ارتكبه ، وظل الأب ينظر إليه مستغربًا ، ثم سأله : هل بقيت هذين اليومين ، دون طعام ؟ ، أومأ شهاب الدين برأسه : نعم ، وكان يرتجف .

قال الربان للبحار : اذهب به ، قجم له بعض الطعام والشراب ، ثم عد به إليّ ، انصرف شهاب الدين ، وبقي الربان وحيدًا ، كان غاضبًا لأن ابنه عصى أوامره ، وحزينًا لأنه رآه على هذه الصورة ، كان الربان في موقف حرج ، كان يخس بالشفقة على ابنه ، ولكن عليه ألا ينسى أنه ربان أولاً عليه أن يعاقب ذلك الشخص الذي أخطأ على سفينته .

معصية الأوامر :
وعندما عاد شهاب الدين ، كان قد استرد بعضًا من خمرة وجهه ، وقال الربان : لقد خالفت أوامري يا شهاب الدين ، لقد عاقبت نفسك ، حين بقين يومين بدون طعام ، ولكن لابد من عقابي أنا أيضًا ، لا بوصفي أبوك ولكن بوصفي ربانًا لهذه السفينة ، قال شهاب الدين وهو منكس الرأس : لقد أردت أن أثبت لك أنني أستطيع أن أكون ملاحًا ، يا أبي ، قال الأب : لا يوجد ملاح يعصي الأوامر .

العقاب:
كان عقابه هو أن يبقى جالسًا على برج معلق ، في احدى الصواري لمدة ثلاث أيام ، يجب عليه أن يعرف مشاق البحر ، الشمس اللافحة في النهار ، والهواء البارد في الليل ، وكان على البحارة أن يحضروا له طعامه وهو في مكانه ، دون أن يشاركه أحد في الكلام .

ليل ونهار وعقاب :
وجلس شهاب في مكانه ، كان يرى السفينة من أعلى ، ويرى البحارة وهم يقومون بأعمالهم اليومية ، وأدرك شهاب الدين ، أن هذا العقاب هو الضريبة التي يجب عليه أن يدفعها ، ليكون بحارًا ماهرًا ، كان النهار مسليًا إلى حد ما ، البحارة وطيور الماء ، وأسماك الدلافين ، ونافورات الحيتان ، لكن عندما يقبل الليل ، الليل البارد المخيف المظلم ، كان شهاب الدين يحس بالخوف القاتل ، يتخيل آلاف الأشباح والجنيات ، وكل قصص البحارة ، كان يغطي نفسه بكل الأغطية الثقيلة ، ولكنه برغم ذلك يظل عاجز عن النوم .

الليلة الأخيرة القاسية :
وكانت الليلة الأخيرة هي أبرد الليالي ، جلس البحارة جميعًا في قاع السفينة ، وكان جميعهم يعترفون بينهم وبين أنفسهم بشجاعة الغلام ، التي فاقت كل حد ، لقد تحمل العقاب دون أن يبكي أو يتأوه ، ولكن هل يمكن أن تمر عليه هذه الليلة الباردة ؟ فكروا جميعًا أن يذهبوا إلى الربان ، يسألوه في العفو عن الغلام ، كانت قوانين البحر تمنع البحارة بمراجعة القبطان ، أو مناقشته ، ولكنهم نهضوا معًا وذهبوا إليه .

الربان والبحارة :
قال رئيسهم : يا ربان ماجد ، لقد أثبت الصبي شجاعة فائقة ، وتحمل الخطأ كاملًا ، ولكن هذه الليلة ، أبرد من أي ليلة ونحن خائفون عليه ، قال الربان : هذه ليلته الأخيرة ، يجب ان يتعلم كيف يطيع وكيف يتحمل ، قال بحار آخر : ألأست خائفًا عليه ؟ ، قال الربان في لحظة ضعف ، لم يراها البحارة من قبل : أنا أشد خوفًا عليه منكم جميعًا ، إن كل الليالي التي قضاها فوق الصاري ، قضيتها أنا دون نوم حتى أراقبه ، ولكننا لسن في المنزل ، نحن في السفينة ، وفي عرض المحيط ، وما يسري هنا هاهو قانون البحر ، وليس قانون العواطف .

استغاثة :
وفي تلك اللحظة سمعوا صيحة عالية ، كان شهاب الدين يصرخ : النجدة ، النجدة ، النجدة يا قبطان ، جزيرة صخرية ، وأسرع الجميع إلى سطح السفينة ، كان الظلام شديدًا والبرد رهيبًا ، وشهاب الدين فوق قمة الصاري يشير إلى جوف الظلمة وهو يقول : النجدة الصخور أمامنا .

شهاب الدين مُنقذ السفينة :
وصدق البحار ، وصدق القبطان ماجد ، واستطاعوا بصعوبة أن يلمحوا خطًا من الظلال الداكنة ، فوق الموج ، اإلهي ، صخور حقيقية ، والسفينة تقترب منها ، كأنها مجذوبة إليها ، صخور سوداء قاسية ، وأسرع الربان يدير الدفة ، أدارها إلى أقصى مدى لها ، وبعد جهاد مرير ضد الموج والريح ، استدارت السفينة ، ابتعدت عن الصخور ، ونجت من الكارثة .

البطل الصغير شهاب الدين :
وتنهد الجميع في ارتياح ، أسرعوا جميعًا ينزلون البطل الصغر من فوق الصاري ، ونظر إليه الأب في اعجاب والبحارة يحيطون به : الآن صرت بحارًا حقيقيًا يا بني ، وسوف تكون ربانًا بارعًا  ، وصاح البحارة في صخب بالغ وهم يرفعون شهاب الدين ، فوق الأعناق .

أسد البحار بعد مرور السنوات :
لقد كبر شهاب الدين ، وأصبح بالفعل أشهر ربان في الخليج العربي ، وكان البحارة يطلقون عليه أسد البحار ، ولم يكتفي بقيادة السفن في ميناء سيراف ، إلى شواطئ الهند والصين ، ولكنه الف عشرات الكتب عن الملاحة العربية ، ووضع قواعدها ووصف الطرق البحرية للملاحة ، وكان يؤمن أن البحار العربي هو خير بحار على وجه الأرض لأنه صبور وصادق ، صبور على السفر الشاق وصادق حين يتعامل مع الاخرين .

ادعاء كاذب عن أسد البحار :
إن بعض المؤرخي يظلمون ابن ماجد ، حين يقولون إنه هو الذي قاد الاستعمار البرتغالي إلى شواطئ الهند ، وبذلك وقع المحيط والخليج تحت سيطرتهم ، لقد تبين خطأ هذا الزعم ، لأن أسد البحار كان أبرع من أن يخدعه أي نوع من الاستعمار أو أي بحار ، لقد كان ابن ماجد هو أحد أسباب ازدهار الملاحة العربية ، فكيف نعتقد أنه السبب في القضاء عليها !

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *