قصة صمت الجدران

جدران بيتي لازالت تسأل عنك ، رغم أنها لم تعتد أن تسألني عمن جاءني ، فهي لا ترهقني بالأسئلة ، ولا تنتظر مني المبررات ، ولا تتهمني أو تنتقدني كما يفعل البشر .

جدران البيت :
جدران بيتي كتومة ، لا تفصح عمّا ترى ، ولا تُعيد عليّ ما رأت وما سمعت ، تسمع أحاديثي المنفعلة ، وضحكاتي الصاخبة وشجاراتي الوقحة فلا تطلب تفسيرًا ، تراني عارية فلا تخجل ، تراقبني في أحضان شبق مجنونة ، تسمعني أتأوه في لقاءات العشق المجنونه فترقب في صمت إلى أن رأتك .

الشغف :
لقد أصابها ذلك الشغف الذي أصابني ، حين أقبلت عليّ في صباح ربيعي جميل ، تمشي بخطى مسرعة للقائي ، تحيط بك تلك الهالة الملونة ، بألف لون لم ترهم أعين البشر بعد ، رأيتك محاطًا بغمامة من حزن سنوات تخفيه في أقبية مظلمة داخل نفسك كأحد الكنوز القديمة التي تحمل أسرار الكون .

راحة المتعبين :
ولوهلة رأيتني أسير في مكان مدهش ، بين أمواج من البشر في أردية غريبة ، يتدافعون إليك حاملين آلامهم وأوجاعهم وشياطينهم ، ومن مكانك البعيد تقف كصورة عبقرية للجمال ، وأكاد سمعك تهتف للعالم : تعالوا إليّ يا جميع المتعبين ، وثقيلي الأحمال و أنا أريحكم!

مشاعر حالمة :
ولم تر تلك الرجفة التي سرت فيّ حين حملتك خطواتك إليّ ، ولا تلك القبضة المؤلمة التي اعتصرتني حين صافحتني ، لم يبد لك مني إلا ابتسامة مرحبة ، في وجه تبتلعه نظارة داكنة تخفي نظارتك تشتهي أن تلتصق بك ، كالتصاق أم برضيعتها في ساعاته الأخيرة .

فضول الجدران :
شعرت بفضولها ذلك اليوم حين دعوتك إلى بيتي ، فقد رأتني أبدأ  مبكرًا في اختيار ثوبي ، أضع ثوبًا ثم أنزعه بضيق ، وألقيه لأضع غيره ، ثم رأتني أعيد ترتيب أثوابي المبعثرة ، لأرتدي ثوبًا منزليًا بسيطًا لا يظهر وجهي ولا جسدي ، سمعتني أسأل نفسي ولماذا لايراني كما أنا ؟ بسيطة وعادية أجلس في بيتي ، وكأني لا أنتظر أحدًا .

عفوية وصداقة فقط :
سأترك شعري في عفوية غير منتظمة ، لن أغير شكله ولن أروض خصلاته الجامحة ، لن أصبغ شفتي ولن أطلي أظافري ، فليراني كما أنا ، ولم أضع عطرًا ، فليشم رائحتي كما هي ، وإذا لم تعجبه فليرحل .

وحين جئت شعرت بجدران بيتي تود أن تسألني عنك ..من هذا الرجل العجيب الذي لم أره من قبل ؟.. ومالك ترتجفين ؟ وما سر ذلك الوميض الصادر من عينيك ؟ ولماذا تتجنبين النظر في عينيه ؟.. ولماذا تذهلين حين يصوب نظراته إليك؟

ولماذا يشرق وجهك حين تنفرج شفتاه عن ابتسامة صغيرة ؟.. ولماذا تتحدثين معه كصديق قديم ؟ ..مال حواركما الطويل لا ينتهي ؟.. ومتى ستقيمان علاقة شيقة ؟.. ها أنتما تنهضان إلى الفراش ؟ .. لقد استلقى وحده .. بملابسه ! وأنت مازلت في مقعدك تقرأين .

دونما صخب :
ها أنت تتسللين إلى جواره ، ترقدين بجانبه ، تراقبين وجهه النائم ، تمر الساعات وأنتما هكذا كلوحة من عصر قديم ، تداعبين شعره برفق ، تقبلين وجنتيه ببطء وحذر حتى لا توقظه لمسة الشفاه ، ثم تندسين تحت الغطاء لتحيطينه بذراعيك حتى الصباح ، دون عري أو ممارسة عشق صاخب ، ثم تنهضان معًا وتجلسان في الشرفة تتحدثان ، ثم تخرجان لتعودي وحدك !

صمت الجدران :
هل ضايقك ؟ هل زهدته ، كما زهدت الكثيرين قبله ؟ لماذا إذا لم يأت آخرون ؟ تمر الأيام وفراشك لا يأوي إلا جسدك وحيدًا ، ما هذا الصمت والوجوم ؟ وما هذا الحزن المقيم ؟ أتبكين ؟ سنوات معًا لم أرك هكذا .. تسألني الجدران وتظل تسأل ، فلا أجيب إلا بصمت كصمتها القديم ، ليتني كنت جدار لأحمل صورتك .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *