قصة هروب

صراخ ، خواوليلي ! ..وينك أومنتو ! شق سكون القرية ، المستلقية أسفل الوادي كصفحة ، محاطة بتلال خضر وجبال تكسوها شجيرات متفرقة رجع الصدى من القمم المحيطة ، اخترق الهواء ، ارتد وسقط مدوّيا ، مشوشًا ، مجتاحًا آذاننا متغلبًا على كل الأصوات الأخرى … يه يه يه ، خاو خاو خاو … ليه ليه ليه … توو توو توو .. كمغناطيس قوي ، جذبنا الهياج بعيدًا عن دمى الأسمال التي كنا مشغولين بها قبل لحظة .

الرجل العجوز واتجاه الجبل :
رجل عجوز : قصير ، يغطي رأسه شعر صوفي أجعد ، أخذ شكل قبّعة رمادية بيضاء تستر جمجمته ، يهرول ، الشيء الذي اعتبرته محاولة جدّية للركض ، يده اليسرى تمسك بالبطانية الملفوفة برخاوة حول جسده ، ذراعه اليمنى ، عند الكتف ، تخالها تنبؤ من ثوب فضفاض ، طويلة ، نحيلة ، ناتئة العظم ، تتأرجح إلى الأمام ، الى الوارء في تناغم مع محاولته تسريع خطوته ، يحمل في يده نبوتًا ينتؤ أمام جسده ، وكل مرة صرخ فيها ، مبامبيني ! أمسكوها ! كان يمد ذراعه حاملا النبوت عاليًا ، مشيرًا به باتجاه الجبل .

الجبل والغيوم :
قفزت عيناي حيث أشار ، كان الجبل يلعب الاستغماية مع الشمس ، أم كان يلعبها مع الغيم ، على أية حال كان نصف الجبل قد اختفى ، ووجهت نظري حيث الجزء المرئي ، أشكال بعيدة ، تقلصت على البعد ، ركضت تتدافع في هرج ومرج .

أمامهم انطلق شكل وحيد كأرنب بري ، يطارده قطيع كلاب مسعورة ، لم تكن الغيوم لاعبًا متبطلاً ، كما رأيت ، لقد كانت الفريق الثالث في هذه اللعبة ، وهي التي ستجعل الأمر مختلفًا .

بنات الشمس :
بوضوح شهدت ، في ذلك اليوم ، ولادة الدموع ، بكت الغيوم ونثرت دموعًا سديمية رقيقة فوق الجبل الصامت ، هل سيدخل ذلك الشخص الهارب البطانة السديمية في الوقت المناسب ؟ ابتسمت الشمس واختفى السديم في حزمة الخيوط الصفراء الطويلة ، واسعة الانتشار ، إنها بنات الشمس.

أصوات الخوف :
إنها هناك ، رأيتها بوضوح ، وقد استطاع مطاردوها رؤيتها بالتأكيد ؟ .. روأها كما رأيتها ؟.. انقبضت أحشائي ،  تدحرجت في معدتي كتلة خوف حارة ، لكن الغيوم ، كي لا تنهزم ، بكت ، نثرت غلالات رمادية غامقة سميكة ، جاءت سريعة وقاسمة ، سميكة ، سمينة ، آمنه لها ، كي تتلفع بها وتزوغ من مطارديها .. أوي في .. أوي في .. أوي في .

وصلتني أصوات أسى أولئك الذين كانوا يطاردونها ، حبست أنفاسي تعاطفًا معها ، متمنيًا لها أن تضللهم ، أحثها كي تسرع وتسرع .. لمحتني الأخيرة منها ، فستان مزوق برسوم زاهية أحال البعد وقلة الضوء لونه ، إلى الأزرق السماوي .. هاهي ، تقفز هنا وهناك بين الصخور ، فستان الزوجة الحديثة الطويلة جعلها تبدو بلا قدمين !! بدت لي في اسراعها بالهرب كمن تركب الهواء ولا جزء من جسدها يلامس الأرض … طوّقت بعيدا ! والرجال يغدون السير خلفها .

هروب :
رأيتها ترمح في جدار السديم ، ، رأيته يلتئم سادّا الشق الذي رمحت منه ، مثل سمكة تنزلق في الماء ، دون أن تلخبطه ، ويعود يلملم نفسه ، ويرحب بها في حضنه ، بعيدًا عن أولئك الذين أسرعوا خلفها ، لا أستطيع تذكر وجهها البتة ، كان ذلك منذ وقت طويل ، وربما لم تقم معنا طويلاً ، لا أعرف ، لكنني أتذكر رحيلها ، وذلك لأنها علمتني التصميم ، قوة الإرادة .

زوجة عمي :
كانت امرأة شابة ، زوجة حديثة ، زوجها ، عمي كان يعمل في المناجم هناك حيث ذهب كل رجال القرية منذ وقت طويل ، فيما بعد ، بتعليم صبور ، كبير، منها لتساعدني على تنظيم عالمي ، سأتوصل إلى معرفة زمن بقائهم هناك بدقة ، أحد عشر شهرًا كل عام ، أيًا تكن هذه المعرفة ، كانت منذ سنوات مضت ، فقد خلصتني من ذلك الخوف الذي كان يملأ اليوم منذ زمن مضى .

خسارة الزوجة الجديدة :
لابد أن الوقت كان ظهرًا لأن الشمس كانت في قبة السماء ، ونحن الأطفال كنا نلعب ، أي الصغار منا الذين لم يبلغوا سن الذهاب إلى البيت الطيني ذو الجار قشي السقف ، الذي كان يسمى مدرسة .

أعرف أنني حزنت على فراق العمّة ، أعلم أنها كانت زوجة جيدة ، تطبخ وتنظف جيدًا ، ونحن الأطفال أنقذنا حضورها من العديد من الأعمال اليومية ، الزوجات الجديدات يعملن كالحمير عندما يدخلن موقعهن الجديد ، أعلم أنني تضامنت مع عمي الذي فقد لا زوجة فقط بل فقد قطيعًا أيضا ، أي المهر الذي دفعه لها ، كل ما أعرفه هو الإثارة التي شعرت بها ، وأنا أراها تنجو من غيمة السديم الرمادية الكثيفة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *