قصة المناضل باتريس لومومبا

المناضل الكونغولي باتريس لومومبا ، وُلد هذا المناضل الأفريقي الحر عام 1925م ، بإقليم ستانليفيل وتحديدًا في قرية كاتاتا كوركومبي ، إحدى قرى مقاطعة الكونغو الشرقية ، وينتمي أيضًا إلى قبيلة باتيليلا ، والتي تمثًل جزءً من قبيلة المونغو .

دراسته وتعليمه :
كان لومومبا من أبناء الطبقة ، التي حظى أبنائها بالتعليم إبان فترة ، الاحتلال البلجيكي لتلك المنطقة ، حيث حصل على تعليمه الأول ، في المدارس التبشيرية ليلتحق بعد ذلك بمدرسة ، تعمل على تدريب عمّال البريد في ليوبولدفيل ، حيث عمل لومومبا وهو في التاسعة عشرة من عمره ، عاملاً بالبريد بمدينة ستانلي فيل ، في الكونغو البلجيكية وشهد خلال تلك الفترة ، ما تم من فصل عنصري ضد السود .

في ذلك الوقت ، درس لومومبا وحصل على عدد من الدورات الدراسية ، في القانون والاقتصاد وبالطبع منحته طبيعة عمله ، ودراسته في نفس الوقت إمكانية لتوطيد علاقاته بعدد من القبائل الأفريقية المختلفة .

العمل السياسي:
منحته الفترة التي عمل بها بهيئة البريد ، ودراسته للقانون وعلاقاته بالعديد من القبائل ، الانضمام بسهولة إلى الحزب الليبرالي البلجيكي ، الذي أمّن له سفرًا إلى بلجيكا ، يدرس من خلاله القانون في جولة دراسية مدفوعة ، ولكن عقب عودته أدركت السلطات مدى تورطه السياسي ، فقامت السلطات باعتقاله متهمة إياه باختلاس بعض الأموال من هيئة البريد ، وتم إيداعه بالسجن على خلفية تلك القضية حوالي أحد عشر شهرًا .

قبل الاستقلال :
بحلول عام 1957م كان لومومبا ، قد أصبح مخضرمًا بالسياسة أكثر من ذي قبل ، وبدأ يتأجج بداخله الطموح في الاستقلال الكونغولي من براثن الاستعمار البلجيكي ، فما كان منه سوى أن قام بإنشاء أول حركة وطنية سياسية كونغولية ، والتي بدأت مسيرتها برفض الهيمنة البلجيكية على الكونغو ، ونادت باستقلال الكونغو بالإضافة إلى الاستفادة ، الكونغولية بثروة الوطن المعدنية ، والتي كانت تستغلها الشركات البلجيكية متعددة الجنسيات .

وفي عام 1958م بدأ لومومبا ، في المشاركة السياسة بشكل أكبر ، حيث التحق بمؤتمر أكرا الذي مهّد للوحدة الأفريقية ، ثم ترأس تحرير صحيفة الاستقلال ، قام من خلالها بالتواصل مع عددٍ من الأطراف الإقليمية والدولية ، من أجل مناصرة قضية بلاده في الاستقلال ، وخلال تلك الفترة كان لومومبا ، قد بدأ في إلقاء خطابات حماسية للشعب ، وبدأ تحركاته بين أفراد القبائل لتوعيتهم بقضية بلادهم في الاستقلال ، ولم يكتف بذلك بل اتجه لكتابة العديد من المقالات النارية ليقرأها المثقفون من أبناء شعبه ، مستندًا على البراهين والإحصاءات والأراقم والأدلة ، الصادرة من بلجيكا نفسها بشأن الأموال الكونغولية ، التي تمت سرقتها من خير الشعب وتم تهريبها إلى أمريكا .

حظى لومومبا بشعبية واسعة ، انتهت بقيادته لعدد من التظاهرات الشعبية الموسعة ضد بلجيكا ، وذلك عام 1959م وانتهت باعتقاله مرات عدة ، مضى خلالها ستة أشهر في محبسه ، وتم الإفراج عنه إبان عقد مؤتمر المائدة المستديرة ، في بروكسل لبحث أوضاع الكونغو ، من خلال استفتاء شعبي تحت إشراف دولي ، من أجل معرفة رغبة الشعب الكونغولي تجاه الاستعمار البلجيكي ، والعمل على تنفيذ أول انتخابات ديمقراطية تشهدها الكونغو في هذا الوقت .

وخلال المؤتمر المنعقد أطلق لومومبا ، تصريحات نارية بشأن الوعي السياسي للشعب الكونغولي ، ورغبته في الاستقلال حيث أصبحت الثقافة ، ظاهرة جمعية للشعب الكونغولي الذي يؤكد نفسه ووجوده من خلال تلك التحركات الشعبية ، ومن ثم فهذا الدعم الواسع من الجماهير العريضة ، هي ما سوف تكلل جهود الحركة الوطنية الكونغولية بالنجاح .

وبالطبع كانت تلك التصريحات بمثابة الصدمة لبلجيكا ، التي كانت قد وضعت خطة مدتها ثلاثون عامًا ، حتى يأتي وقت الاستقلال الكونغولي ، مما دفع بلجيكا للاعتراف باستقلال الكونغو مؤقتًا ، فتم إجراء انتخابات ديموقراطية للمرة الأولى بالكونغو ، فازت خلالها الحركة الوطنية الكونغولية ، بشكل حاسم بينما تم انتخاب لومومبا لتولي منصب ، رئيس الوزراء وتشكيل الحكومة الجديدة ، ليحتل الزعيم المعتدل جوزيف كازافوبو ، منصب الرئيس الكونغولي .

وفي عام 1960م وأثناء الاحتفال بيوم الاستقلال ، اعتلى بودوان الأول ملك بلجيكا ، وألقى خطابًا أشاد فيه بفترة حكم عمه العظيم ليوبولد الثاني (هذا الملك الذي قُتل في عهده أكثر من ثمانية ملايين من الكونغوليين خلال فترة حكمه بين عامي 1885م و1908م) ، ثم وجه خطابه لطرح العديد من فوائد الاستعمار ، الأمر الذي دفع لومومبا للرد بخطاب ناري طرح خلاله ، كيفية مناهضة البرنامج السياسي ما بعد الكولونيالي .

بالطبع هذا الخطاب لم يلق رضا المستعمرين السابقين ، ولم يلتق مع رغبات الشركات متعددة الجنسيات في مجال التعدين ، وحكومة الولايات المتحدة التي كان لومومبا ، قد طلب منهم مساعدات للحصول على الاستقلال ، مما دفعه للجوء إلى روسيا والأمم المتحدة أيضًا .

هؤلاء الحلفاء جميعًا وجدوا صيدًا ثمينًا ، يمكنه العمل ضد لومومبا وكان أحد الصحافيين السابقين ، ثم أصبح رئيسًا بالجيش إبان فترة تولي جوزيف موبوتو ، قيادة الجيش الكونغولي فكانت أولى الخطوات ، هي إثارة البلبلة داخل الجيش ، والفصل العنصري بين البيض والسود ، وتخليق أزمة اقتصادية وفي النهاية ، اختطاف لومومبا وإعدامه من أجل التخلص منه نهائيًا .

اغتياله:
حاولت الولايات المتحدة متمثلة في وكالة الاستخبارات الأمريكية ، أن تقضي على لومومبا عقب تسميمه ، ولكن تلك الخطة لم تكن محل اتفاق ، فتم الاتفاق على اختطافه ووضعه في معسكر مقاطعة كاتانغا الانفصالية ، حيث تم نقله جوًا إلى هناك وتم تعذيبه ثم القضاء عليه رميًا بالرصاص .

على الجانب الآخر ظل رفاق لومومبا يحاولون التصدي ، للمستعمر الغادر ولكن تم اقتناصهم بواسطة بعض المرتزقة من الجيش الأمريكي ، وبعض الأفارقة المتواطئون معهم ، ليتستر بذلك موتوبو تحت ستار مقاومة الشيوعية ، وأعلن دولته ذات الحزب الواحد ، السارقة لخيرات البلاد تحت سمع وبصر وبمباركة أمريكا ، والحكومات الغربية على مدار ثلاثين عامًا ، ليصبح لومومبا شعارًا نارية على مدار تلك الفترة الزمنية الطويلة ، منذ أن تم اغتياله في 17 يناير عام 1961م .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *