قصة ليلة صراع

كفي في جيبي ، أصابعي ترص على الورقة النقدية ذات الليرات العشر ، وأتسكع في الشوارع .. ماذا سأشتري بعشر ليرات في هذه الليلة غير الطبيعية ؟ ليلة الشراء ، وليلة الغلاء الفاحش ، الناس كالنمل تهجم على المواد كافة .

سهرة وإفلاس :
قشرة برتقال تقع على رأسي ! التفت ! تضحك : الله جابك يا حلو !! امرأة مطلقة غير جميلة تعرفت بها قبل ثلاثة أعوام في القطار ، الله جابك يا حلو ! نتصافح ، أتعزمني الليلة يا حلو ؟ بصراحة أريد أن أعزمها … ولكن العزيمة التي تقصدها تتطلب على الأقل خمسمائة ليرة سورية . لحوم ، فاكهة ، ومشروبات .. الخ.

وتردف : عندك غرفة مستقلة على علمي ؟! يا للمصيبة ! من أين ظهرت لي هذه البلهاء ؟ احكي .. أنت أخرس !! من أين يا إلهي أحصل على خمسمائة ليرة ؟ سأبيع الساعة .. من سيشتري ساعة في هذه الليلة ؟!

لابد من حل قبل أن تغادرني المرأة ، وبذلك أخسر أجمل سهرة بحياتي ، نعم لابد أن تكون سهرة رائعة ، فيها الرقص والحب وأشهى الطعام وألذ الشراب ، معلمي الوغد قال هو الآخر أنني مفلس الليلة ، سألت مرة أخرى : ستعزمني أم لا ، أجبت : طبعًا يا حبيبتي ، وكيف لا .. ثلاثة أعوام لم يرى أحدنا الآخر لابد من العزيمة !!

الصديق وقت الضيق :
وأرمق بطنها بنظرة خبيثة ، يصيحني رفيق قديم ، قلت في قرارة نفسي فرجت ، يمد يده ، فأردفت في قرارة نفسي : سأطلب منه مبلغًا ، يقول ببسمة مصطنعة : أهلا بأعز أصدقاء الدراسة .

سأفاتحه في الموضوع ، المرأة تنتظر ، ولابد من النقود ، يقول صديقي : يقال أن الصديق عند الضيق وجهي يصفر ، أفهم تمامًا ما مهد له صديقي لذلك لأقاطعه وأسبقه القول : هل أرى لديك خمسمائة ليرة يا صديقي العزيز ؟ يزفر بعنف من خلال أنفه .. يضرب كفًا بكف ، ويمشي كالمخبول وهو يكلم نفسه !!

العودة إلى الغرفة :
التفت إلى المرأة ، فلم أراها !! ورجعت إلى غرفتي خائبًا منزعجًا ، وأمام الباب استوقفتني صاحبة البيت متسائلة : ألا تحتفل بهذه الليلة ، نظرت إلى يدي الخادمتين ولم أرد ، فأردفت صاحبة البيت قائلة : جيرانك الشباب يحتفلون في غرفهم وسألوا عنك قبل قليل ، أفتح باب الغرفة ، أفرك عيني ، سأنام باكرا…

أغلقت الباب على نفسي ، وأضغط على زر التلفزيون فتتراءى أمام عيني مذيعة ببسمة طفيفة تقول : أعزائي الساهرين أعزائي المشاهدين ، بعد قليل نودع عاما ونستقبل عامًا آخر ، وتزور الكاميرا الشوارع والبيوت والذين يخجلون الوقوف أمامها .

ليلة صراع :
إذا لابد من التغيير هذه الليلة ، إنه يزحف إلى كل شيء ويغسل البيئة من فوق إلى تحت ، الليلة الأخيرة من العام المنصرم ، عام بلياليه وأيامه بلحظات ، بأفراحه وأحزانه سنة من الدموع والضحكات والولادة والموت ، سوف تنهيها ليلة واحدة سوف تغتالها على أنغام أرعب موسيقي تعزفها الأوتار الحساسة في قلوب البشر ، صراع رهيب حقًا ، كانت أمي تقول : نم باكرًا … سيجن كل من يرى هذا الصراع… نم باكرا لكي لا تراه .. وبالفعل كنت أنام باكرًا .. أما الأن فلم أنام ومن حقي أن أرى هذا الصراع .. بعد قليل سينقلع عام ويحل آخر .

صخب العام الجديد :
بعد قليل ، الأصوات تعلو ، الضجيج يمزق أحشاء الصمت ، العيارات النارية تنغرز في جسد الليلة ، انقلعي ..  انقلعي لم يعد لك مكانًا بيننا ، ويحتدم الصراع ، السنة الجديدة  تشن هجومًا بكل جبروتها ، والليلة تقاوم ، تقاوم حتى آخر أنفاسها ، الصواريخ الهوائية تخترق أحشاء الليلة ، الرصاص ، الصلوات ، الدعوات ، أجراس الكنائس ، النيران العام الجديد بـ 8760 ساعة لكن الليلة لا تزال تقاوم ..

الضجيج يعم الكون ، أريد أن أرى ، يهمني أن أرى أرفه صوت التلفاز كله وبصخب وأرقص ، ينطفئ النور وأرقص ، طرقات قوية تقرع على الباب وأرقص ، الباب ينفرج ، الشموع تحاصرني من كل حدب وصوب وصوت جماعي كصوت الكورس يقول : كل عام وأنت بخير .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *