قصة الحكواتي

اشتهرت مدينة دمشق بانتشار المقاهي العامة في أحيائها يؤمها الرجال دون النساء يمضون فيها بعض أوقاتهم فيتبادلون الأحاديث والأخبار كما يتبادلون ضيافة الشاي والقهوة ، ويلعبون النرد ويدخنون النرجيلة ، وفي بداية القرن العشرين وكان الكثير من هذه المقاهي يستضيف الحكواتي وخاصة بقايا أحياء الصالحية والعمارة والميدان والحكواتي هو الشخص الذي يحفظ الحكايات ويلقيها عن ظهر قلب .

أو يقرأها من الكتاب أما حكاياته يلقيها من السير الشعبية المتداولة مثل تغريبة بني هلال وسيرة الزير سالم وقصص ألف ليلة وليلة ، أما سيرة عنترة بن شداد فهي الأخيرة بين رواد المقاهي والأقرب إلى أفئدتهم وتُروى باللغة الفصحى ستة أشهر في السنة وعندما يحين موعد الحكواتي هو عادة بعد صلاة المغرب يترك الشباب والرجال بيوتهم متجهين إلى المقهى لسماع الفصل اليومي لمغامرات عنترة .

ويُروى أن أهل الحي كانوا يزينون المقهى لكي يقترب موعد زواج عنترة في الحكاية وليقتصر نشاط الحكواتيه على المقاهي ، بل كان يذهب أحيانًا لبيوت الميسورين لكي يروي حكاياته وخاصة في شهر رمضان المبارك حتى تتمكن الفتيات من الاستمتاع بسماعه ، أما قصة الحمصي الواردة هنا فيقال أن أحداثها واقع حقيقية جرت في إحدى الحارات الدمشقية ومقهى اللوفر الذي اخترناه ليكون مسرحًا لحكايتنا .

من أشهر المقاهي الدمشقية يقع على بعد خطوات من الباب الشرقي للجامع الأموي الكبير ومازال هذا المقهى يقدم حصة مسائية للحكواتي يحضره بعض السياح، كان أبو محمود يعمل منجد وقد أخذ مهنته هذه عن أبيه أما مساءًا فهو حكواتي في مقهى يدعى مقهى دمشقي يدعى النوفر على بعد أمتار من من الباب الشرقي لجامع الأمومي ، أما كيف أصبح أبو محمود حكواتي فتلك حكاية أخرى .

في أحد الأيام وقع بين يدي أبو محمود كتابًا يروي سيرة عنترة بن شداد فارس بني عبس وشاعرها ولشدة اعجابه لتلك السيرة ، قرأها عشرات المرات حتى حفظها عن ظهر قلب ، ومرة بينما أبو محمود كعادته يقضي ساعات المسائية في المقهى وإذ به يرى صاحب المقهى في حيرة من أمره ولما سأل عن السبب عرف أن الحكواتي قد سافر فجأة دون أن يترك خبرًا عن موعد عودته .

وعندئذ طلب أبو محمود في تلك الليلة أن يحل محل الحكواتي ولم يكن لصاحب المقهى أي خيار إلا الموافقة ، فأعتلى أبو محمود كرسي الحكواتي وبدأ يقص حكايته على الجمهور واستطاع أبو محمود في تلك الأمسية أن يشوق الجمهور وأن يقنع صاحب المقهى بموهبته في سرد الحكايات وهكذا اتفق الرجلان على تكرار التجربة ، وأصبح أبو محمود هو حكواتي المقهى ويتوافد إليه يوميًا وكان لأبي محمود صديق عزيز من أهل حمص ولذلك كان يدعى بالحمصي ، وكان يحب عنترة بشكل كبير .

وفي أحد الأمسيات وبينما أبو محمود يروي أحد القصص وقع وقع عنترة في الأسر ، سمع أبو محمود أذان العشاء فأغلق كتابه كعادته ووعد جمهوره بإكمال حكايته في اليوم التالي وخرج الحمصي من المقهى مكفهر الوجه ، غير مصدق أن عنترة قد وقع في أيدي الأعضاء ، ودخل بيته واستقبلته زوجته بالترحاب ولكنه تجاهلها وعندما أعدت له طعام العشاء رفض أن يأكل أو أن يشرب ، وظل طوال الليل مستلقيًا على الفراش لا يأتيه النوم ، كان يشعر بالذنب كيف ينام ويترك عنترة يعاني الأسر .

وكانت الدقائق تمضي ببطء شديد ، وهو يفكر ماذا يمكنه أن يفعل لكي يخلص عنترة ، وفجأة استقام واقفًا واستل سكينًا من المطبخ ، وخرج قاصد بيت الحكواتي عله يخلص بها عنترة وعندما وصل إلى هناك ضرب الباب بقوة وأيقظه ، وسأل أبو محمود عن الطارق فأجابه أن الحمصي .

قم وافتح لي الباب كيف يأتك نوم وقد وضعت عنترة في الأسر بحق صداقتنا قم فأخرجه وأعطيك حالا ما تحصل عليه من الجمهور في ليلتين ورضخ الحكواتي أمام إلحاح الحمصي ، وأدخله بيته فأكمل له الحكاية حتى خروج عنترة من الأسر وقد التقى بحبيبته عبلة بنت مالك ، وقام الحمصي وشكر صديقه وحاول أن يعطيه أجره ، ولكن أبو محمود رفض وقال وأنا لا استطيع النوم وعنترة سجين الأعداء ، وضحك الرجلان ..

ردّ واحد على “قصة الحكواتي”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *