قصة إمام الملك

قصة مدهشة وعذبة تبدأ بأمنية أب ، وابن بار يحفظ القرآن ، ويتعلم التجويد ، يتفوق في دراسته ، ويثبت نفسه في الطريق الذي اختاره ، تدرج في علمه وعمله وأصبح من أفضل الرجال فيه ، ومازال اسمه حتى يومنا هذا علامة فارقة في قراءة القرآن وفي الإمامة والخطب .

علي جابر البداية :
الشيخ على بن عبد الله بن على جابر السعيدي الموسطي اليافعي الحميري القحطاني ، ولد عام 1373هـ مع أخيه التوائم سالم ، كان والدهما رجل عادي يعمل بالتجارة ويمتلك مطعم في أحد الأحياء بالمملكة ، فأراد الوالد أن يؤسس أسرة مسلمة مؤمنة حافظة لكتاب الله تعالى .

فكان يحلم بأن يكون أحد أولاده من علماء وقراء الحرمين الشريفين ، وكان يتمنى أن يتوفاه الله في المدينة المنورة ، وانتقل بالأسرة إلى هناك ، وبدأ في حضور الدروس في الحرم المدني ، وفي تعليم أولاده علوم الدين والقرآن .

كان على جابر في الخامسة من عمره حين انتقلت أسرته إلى المدينة المنورة ، وحرص والديه على غرس الفضائل والأخلاق في أولاده ، وكان يحرص على ألا يضيع ولديه الوقت في اللعب مع أقرانهم ، فكان علي وسالم لا يعلمان إلا طريق المنزل والمدرسة والمسجد النبوي فقط .

توفي الأب حين كان الشيخ علي في الحادية عشر من عمره ، وكان منزله بجوار مسجد الأميرة منيرة بنت عبد الرحمن ، وكان خاله يحرص على اصطحابه هو وأخيه إلى الشيخ بخاري من أجل حفظ القرآن .

التعليم :
كان الشيخ بخاري يشفق عليهما حين علم أنهما يتيمين ، وكان يحرص على تعليمهما القرآن حين علم برغبة والدهما الراحل ، وكان الشيخ يرى في علي شيئًا مدهشًا فكان يضاعف من اهتمامه به.

تمكن على جابر من أن يحفظ عشرة أجزاء من القرآن الكريم ، وهو ما أهله للانتقال إلى معهد خاص لتحفيظ القرآن الكريم ، وبالفعل أتم علي جابر حفظ القرآن كاملًا حين كان في الخامسة عشر من عمره .

وكان يدير المعهد الشيخ خليل القاري ، والذي عُرف عنه اهتمامه بفنون وعلم التجود وأسس التلاوة ، وطرق تحسين الصوت بالتلاوة ، كان الشيخ محمد أيوب زميلًا للشيخ علي ، كان يسبقه بعامين وهو ما جعل الشيخ خليل يوكله بالتسميع للشيخ علي وتصحيح أخطاءه .

تمكن الشيخ علي ، بالدراسة والاجتهاد من أن يسبق كل زملاءه حتى الشيخ أيوب نفسه ، في نفس الوقت كان الشيخ علي أتم دراسته حتى المرحلة المتوسطة ، وألتحق بالمعهد الثانوي التابع للجامعة الإسلامية ، وبالفعل تخرج منه ، وكان ترتيبه الثاني على المعهد .

ودرس في الكلية الشرعية ونجح وتفوق بها ، فقد حصل على امتياز مع مرتبة الشرف الثانية ، وكان الشيخ علي معروف عنه التزامه وانتظامه ، بعد هذا قرر الالتحاق بالمعهد العالي للقضاء في الرياض .

وهناك درس الشيخ علي على يد خيرة العلماء أبرزهم الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن الباز رئيس الجامعة الإسلامية ، والشيخ محمد مختار الشنقيطي والذي كان يدرس في المسجد النبوي ، كما درس على يد عبد العظيم الشناوي أصول النحو الصرف في كلية الشريعة .

درس الفقه على يد الدكتور عمر بن عبد العزيز ، وكذالك درس على يد الدكتور محمد نباوي ،ومناع القطان ، وأيضا عبد الوهاب البحيري ، عبد الوهاب عطوة وبدران أبو العنين.

العمل :
كان الشيخ بخاري يرى في علي الكثير وبالتالي قام بتقديم طلب باسمه من أجل العمل في الإمامة ، وبالفعل قبل الطلب ونجح الشيخ في اجتياز الاختبارات والمقابلة ، وعُين في مسجد الغمامة في المدينة المنورة ، حين كان في الحادية والعشرين من عمره .

بعد أن ألتحق الشيخ بمعهد القضاء تقدم برسالة الماجستير والتي حصل عليها بدرجة الامتياز ، حينها رشحه الشيخ عبد الله بن حميد أن يكون قاضي في بلدة ميسان ، لكن الشيخ علي رفض وأعتذر عن المنصب .

أصر الشيخ عبد الله عليه أن يستمر لكنه لم يتمكن من هذا ، ورفع طلبًا للأمير خالد أن يترك القضاء ، وافق الأمير وعُين الشيخ بوظيفة إدارية بوزارة العدل ، ويقال أن الشيخ علي كان يشعر أنها مسؤولية كبيرة عليه ، وأنه لا يريد أن يقترب من القضاء أو أي أمر يتعلق به .

إمام القصر :
في عام 1400م رُشح الشيخ علي جابر لإمامه مسجد قصر الأمير خالد بالطائف ، وبالفعل تولى المهمة ، وأعجب الأمير بشخصه كثيرًا وقربه منه ، ووقع في غرام صوت تلاوته للقرآن الكريم .

في رمضان عام 1401هـ كان الأمير خالد في البيت الحرام كعادته في العشر الأواخر من رمضان المعظم ، بعد مرور يومان فقط شعر الأمير بالشوق لصوت الشيخ علي ، وكان من بين الحضور وفود دبلوماسية ، من بينهم الرئيس الباكستاني الراحل ضياء الحق .

أمر الأمير باستدعاء الشيخ علي وإحضاره على الفور إلى الحرم ، وبالفعل استدعي الشيخ قبل المغرب بساعة واحده ، ولم يكن يعرف السبب في طلبه على عجل بهذا الشكل ، تشارك مع الأمير وضيوفه طعام الإفطار ، وأم الجميع في صلاة العشاء .

وقع جميع الحضور في حب صوت تلاوة الشيخ علي ، وطالبوا بأن يقوم بالإمامة في صلاة التراويح ، فوافق الشيخ علي ومن هنا أطلق عليه لقب إمام الملك ، كان لقراءة الشيخ علي وقع جميل في قلوب الجميع ، وبالتالي تم تعيينه بمرسوم من الأمير خالد لإمامة المسجد الحرام رسميًا في شوال من عام 1401هـ .

تسجيل القرآن :
استمر الشيخ علي في وظيفته الجديدة قليلًا ، وبعدها سافر في بعثة إلى كندا ، وهناك قام بتسجيل القرآن كاملًا في أحد المعامل الصوتية ، بعد أن حثه على هذا الملحق الثقافي للمملكة هناك ، وتم تسليم هذه النسخة إلى جامعة الملك سعود بالرياض وأهديت نسخة منه لإذاعة القرآن الكريم بالقاهرة .

بعد أن عاد إلى المملكة طلب منه أن يسجل قراءات مجزأة للقرآن الكريم ، من أجل تلفزيون المملكة ، عاد الشيخ علي لعمله في الحرم المكي ، حتى عام 1409 هـ وبعدها انتقل إلى جدة .

هنا لم يشأ الشيخ أن يلزم نفسه بإمامة مسجد محدد فكان يتنقل بين المساجد ، خاصة المساجد المجاورة لمسكنه ، فكان الأهالي يذهبون إليه ويطالبوه بإمامة مسجد ما ويستجيب الشيخ لهم ، وعُرف عنه أنه كلما ذهب لإمامة مسجد ما كان يمتلئ تمامًا .

رسالة الدكتوراه :
في عام 1407هـ وفي ليلة الثالث والعشرين من رمضان أيضا تمكن الشيخ علي من الحصول على درجة الدكتوراه في الفقه ، من المعهد العالي للقضاء من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في الرياض .

بدأ الشيخ في التدريس في جامعة الملك عبد العزيز في المدينة المنورة ، في قسم الدراسات الإسلامية في كلية الآداب والعلوم الإنسانية ، وقدم للشيخ علي العديد من الطلبات للخروج إلى الدول والتدريس ، ولكنه لم يرد أن يترك المملكة فرفض كافة العروض واعتذر عنها جميعًا ، واستقر الشيخ بجدة ، وكان يقوم بإمامة المصلين في بقشان وأيضا الهدى .

الوفاة :
على الرغم من كل العلم الذي حصله الشيخ علي كان يعني من مرض جعله يعاني كثيرًا ، وقد خاض رحلة علاج طويلة ، وأجريت له العديد من العمليات الجراحية ، وقبل وفاته أوصى أهله بالاستمساك بحبل الله تعالى ، والمحافظة على الصلاة وقراءة القرآن الكريم .

نُقل جثمانه بعد الوفاة إلى المسجد الحرام وصلى عليه الشيخ صالح آل طالب ، حزن عليه كل من عرفه أو سمع عنه ، وحين دفن في المقبرة ذهب لفيف كبير من معارفه وزملاء العمل والدراسة وصلوا عليه مرة أخرى .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *