قصة ماري كوري تقوم بأولى تجاربها

دخلت ماري من باب المعمل وهي تصيح في فرح ، وكان كارل ابن عمها في انتظارها ، لم يكن يريد أن يبدأ التجارب دون حضورها ، وكانت هذه هي المرة الأولى التي تحضر فيها متأخرة ، وقبل أن يسألها عن سبب التأخير صاحت به قائلة : كارل .. أتعرف ماذا حدث اليوم .. لقد كان السيد مندليف في زيارتنا ..

الزيارة :
خلع كارل نظارته ونسي تجاربه وهتف بدهشة : السيد مندليف !! العالم الكيميائي الروسي ..لا لأصدق انه هنا في بولندا ؟ ، قالت ماري في سعادة : أجل أنه صديق أبي وقد تناول الغذاء معنا اليوم ، لقد دهش من معلوماتي عن الكيمياء وعن مدى فهمي للجدول الذي ابتدعه .

قال لي : إنني صغيرة السن حقاً ومع ذلك فلدي معلومات كثيرة .. إنه رجل مدهش .. أتدري ماذا قال لي أيضاً .. لقد نظر إليّ بعمق ثم قال : ونفخت ماري صدرها وكأنها تقلد مندليف وقالت في صوت غليظ : آنسة ماري سوف يكون لك مستقبل رائع في الكيمياء ..

العنصر غير المكتشف :
وضحك كارل من منظرها وهي تقلد مندليف ، وضحكت أيضًا .. وفردت الورقة التي كانت في يدها وهي تقول : انظر ماذا أهداني .. إنه الجدول الجديد الذي أعده لترتيبه العناصر ، كل عناصر الكيمياء موضوعة هنا حسب ترتيبها الذري ، وهناك في هذه الخانة عنصر ناقص لم يكتشف بعد ، لقد تنبأ مندليف بوجوده ولكن حتى الان لم يكتشفه أحد .

أحلام ماري الصغيرة :
وكان كارل سعيداً بسعادتها فقد كانت طفلة رائعة ، حادة الذكاء ولكنه هتف بها : أوه يا ماري كفى حديثك عن عالمك المشهور ، لقد جئت لمساعدتي وليس لتعطيلي ، هيا ان الشركة تريد أن أحضر لها الأصباغ التي تريدها بأسرع ما يمكن .

قالت ماري : وماذا سأفعل أنا ؟.. قال كارل : وقد بدأ يحضر الأدوات للبدء في التجارب ، كالمعتاد سوف تقومين بتنظيف الأنابيب والبواتق وتحضرين المحاليل التي أطلبها ، قالت ماري في غيظ : كلًا ، أنت تخدعني يا كارل ، كل مرة تكلفني بتنظيف الأجهزة وتقوم أنت بالتجارب وحدك ، هذا ليس عدلاً ..

ضحك كارل وهو يسير في المعمل ويقف أمام أجهزة التقطير وهو يقول : أنت ما تزالين صغيرة يا ماري ، وممارسة الكيمياء أمر صعب ، ودقت ماري الأرض بقدميها قائلة : كلا أنا لست صغيرة ..مندليف نفسه قال ذلك .. ، وقاطعها كارل قائلًا : سوف يكون لك مستقبل عظيم ، ولكن المستقبل مازال بعيداً يا ماري عليك أن تبدئين من أول الطريق ، همهمت ماري قائلة : أي من أول غسل الأواني والأنابيب ، متى يأتي ذلك المستقبل البعيد ، وضحك كارل ، وبدء العمل ..

مازلتي صغيرة :
كان كارل يكبرها بأكثر من خمسة وعشرين عاماً ، ولكنه كان معجباً بذكائها الكبير وفهمها للعديد من التفاعلات الكيميائية المعقدة ، فقد كانت تراقبه باستمرار ، وتقرأ كل ما يقع تحت يديها ، وقد اكتسبت خبرة كبيرة لكنها فقط كانت تود لو أن ابن عمها يسمح لها بإجراء بعض التجارب الصغيرة ، ولكنه يقول لها دائماً أنها صغيرة .

آراء ماري :
أخذت ماري تغسل الأواني وتراقب كارل بطرف عينها ، كان كارل يحضر المواد ويضيفها بعضها البعض بنسب معينة ، ثم يبدأ في التسخين ولكن ماري قالت له : أوه يا كارل ، أنت بطيء جدا ، وتقوم بالعديد من الخطوات الزائدة لماذا لا تحضر هذه الخطوات وتوفر بعض المواد .. وأصدر كارل صوتا من فمه يأمرها بالصمت ، كان مشغولًا بالرد عليها .

وصمتت ماري ، وجلست تراقبه ثم عادت تقول له : أوه يا كارل ..ستكون الصبغة أسهل وأفضل لو مزجت المحلولين معاً قبل تسخينهما .. وقال كارل في غيظ : لقد قمت بهذه التجربة عشرات المرات ولن تأتي طفلة لتعدل عليّ ، ضربت ماري قدميها في الأرض وقالت : انني لست طفلة لقد تنبأ مندليف بمستقبلي ، وصمتت لأنها أحست أن ابن عمها مغتاظ من طريقتها في المقاطعه ..

نفاذ الصبر :
ولكن ماري لم تستطع الصبر طويلاً فقالت له : زد من درجة الحرارة ياكارل حتى تصبح الصبغة ثقيلة ، ولم يطق كارل صبراً ، ولكنه بدل من أن يثور عليها وضع يده في خاصرته وقال لها : حسنا يا ماري ..ما دمتى لا تريدين أن تتركيني في حالى ..خذي هذه العينة من المواد التي استعملتها وقفي في الطرف الآخر من المنضدة واصنعيها كما تريدين .

فوجئت ماري بنوبة الكرم التي هبطت على ابن عمها ، ولم تصدق أنه تنازل أخيرًا عن بعض المواد التي يستعملها ولكن الأمر كان حقيقياً .. بدأ يرص لها المواد كانت كميات صغيرة ولكنها كانت كافية تستطيع من خلالها ان تؤكد قدراتها وذكائها ..

أولى تجارب ماري :
بدأت ماري العمل في سرعة ..كانت تضيف المواد ..وتسخن وتضعها في جهاز التقطير ، وتراقب النتائج ، ثم تنتقل إلى الخطوة التي بعدها ، كانت تريد أن تسبق كارل بأي طريقة ، تريد أن تثبت أنها لا تقل عن كارل براعة ، ونظرت بطرف عينيها إليه ، وجدت أن صبغة كارل قد بدأت في التكون .

وأرادت أن تختصر عدة خطوات في خطوة واحدة ،ووضعت البوتقة فوق النار وأخذت تعد لاحضار مزيج آخر من المحاليل .. وفجأة انفجرت البوتقة ، وأسرع كارل في فزع يأخذ ماري بعيدا عن مصباح اللهب ، وكان وجه ماري شاحباً ، وقد اتلفت البوتقة الكثير من الأشياء التي حولها .. وهتف كارل : أوه ماري لقد أتفلت كل شيء ..

نجاح التجربة :
قالت ماري في حزن : كنت أريد أن أساعدك يا عزيزي كارل ، سوف أقوم بتنظيف كل شيء ، أمسكت المكنسة وأخذت تزيل بقايا الزجاج ، ولكنها فجأة شاهدت البوتقة التي انكسرت ،  وقد تكون في قاعها لون جديد ، لون لم تره من قبل !! هتفت ماري : كارل انظر إلى هذه الصبغة الجديدة !!

وضعت ماري البوتقة المكسورة أمام عيني كارل ، الذي نظر اليها بدهشة فمد ساق زجاجية وأخذ بواسطتها بعض من المسحوق ، كان لونًا غريبًا حقًا ، لم ينتج من قبل ، وأخذ كارل يجري عليه بعض التجارب الاستكشافية : ثم هتف ، لون رائع يا ماري ، إنه يصبغ الأقمشة جيداً ، ولا يزول بالماء ، لقد نجحت يا ماري ، نجحت التجربة بالفعل ، هيا ساعديني في تركيب هذا اللون مرة أخرى.

أزاحت ماري الزجاج بسرعة ، ووقفت إلى جانبه ، وأخذا يعملان بنشاط كانت هي التي ترشده هذه المرأة ، وبدأت تحس بسعادة وقالت : أتعرف يا كارل فيما أفكر الآن !!.. قال كارل : ماذا يا عزيزتي ، قالت ماري :عندما أكبر سوف أصبح كيميائية عظيمة ، وسوف أكتشف العنصر الناقص في جدول مندليف ..

العالمة ماري كوري :
كبرت ماري وأصبحت كيميائية كبيرة ، وتزوجت من كيميائي آخر هو كوري ، واكتشفا معاً العنصر الناقص في الجدول ، وأطلقت عليه بولوتينيوم ، تخليداً لاسم بلدها بولندا وحصلا معاً على جائزة نوبل للمرة  الأولى ، ومات زوجها لكنها واصلت الأبحاث وحدها واستطاعت أن تفصل عنصر الراديوم الذي أصبح يستخدم في الطب والصناعة ونالت جائزة نوبل مرة ثانية ، وأصبحت ماري كوري أو كما اشتهرت مدام كوري ، واحدة من أشهر العلماء في العالم وقدمت للإنسانية العديد من خلال اكتشافاتها .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *