قصة عمارة المسجد الأقصى

يقع المسجد الأقصى بالقدس عاصمة فلسطين المحتلة وهي من المدن المشهورة ذات التاريخ الحضاري المشترك بين جميع الأديان السماوية وقد شهدت كثر من الطامعين والغزاة في الحروب الطاحنة ، سمي الأقصى بمعني البعيد ، لأنه لم يكن ورائه مسجد أخر بالأرض وكان أبعد الأماكن التي وصل إليها العرب في رحلاتهم للشام قبل الاسلام و سمي بهذا أيضًا لقول الله تعالى { سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} سورة الإسراء الآية 1.

وفضائل المسجد الأقصى كثيرة فهو كان قبلة الأنبياء قبل الاسلام وصلى الرسول صلّ الله عليه وسلم فيه بالأنبياء ، وكان هو أولى القبلتين وهو ثالث الحرمين الشريفين ولا تشد الرحال إلا إليهم ، كما أنه من أقدم المساجد التي عُمرت لعبادة الله تعالى في الأرض .

قصة البناء القديم :
في حديث عن أبي هريرة رضي الله عنه عن أبي بن كعب عن النبي صلّ الله عليه وسلم أنه قال ” إن الله عزوجل أمر عبده ونبيه داود عليه السلام أن يبني له بيتًا فقال أي رب وأين هذا البيت ؟ حيث ترى الملك شاهرًا سيفه فرآه على الصخرة ،  وإذا ما هناك يومئذ أندر لغلام من بني إسرائيل فأتاه داود ، فقال إني أمرت أن ابني هذا المكان بيتًا لله عزوجل ، فقال له الفتى الله أمرك أن تأخذها بغير رضاي ، فقال لا فأوحى إني أُمرت برضاك ولك بها قنطار من ذهب فقال : لقد قبلت يا داود ، وهي خير أم القنطار قال بل هي خير قال فأرضني قال لك ثلاثة قناطير ، فلم يزل يشد علية حتى رضى بتسع قناطير .

وروي عن كعب الأحبار أن سليمان عليه السلام بنى البيت المقدس على أساس قديم كان أسسه سام بن نوح ، وقد دُمر ما بناه سليمان عليه السلام بعد غزو بختصر لبيت المقدس وسبي بني إسرائيل وهو ما أشارت إليه الآية الكريمة {فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولا} سورة الإسراء الآية 5 .

أما بدايات المسجد الأقصى الموجودة حاليًا فترجع لعهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، والذي أمر ببناء مسجد في الحرم القدسي بعيدًا عن الصخرة ، كان مكان بسيط عبارة عن سقف أُنشئ بواسطة وضع كمرات خشبية ضخمة على حوائط تأخذ الشكل الرباعي وكان يتسع لثلاثة آلاف مصلي .

ظل المسجد الأقصى على ذلك الحال حتى جاء عبدالملك بن مروان وابنه الوليد ، فكان الإنشاء الحديث للمسجد عام 597م ، عُرف عن الوليد بن عبدالملك اهتمامه بالمساجد ، فقام ببناء مسجد قبة الصخرة داخل الحرم القدسي ، وأعمدة الرخام وعلى يمين القبة الصغيرة وأما مساحة المسجد كانت تزيد عن 2500 مترًا ، وكانت أبوابه من الذهب .

وفي عام 140هـ أعاد الخليفة المنصور بناء المسجد الأقصى ، وخصص له نفقة كبيرة كان هناك ألواح من الذهب على الأبواب وأتمه عام 141هـ وصلى فيه ، وأعاد الخليفة المهدي بنائه بعد أن تهدم فتم بنائه بشكل أضخم وأقوى وترك الجزء القديم كجانب جمالي أثري وصار للمسجد ست وعشرون بابًا ، سُمي الباب الأوسط المواجه للمحراب بالباب الرئيس الباب النحاسي الكبير وعلى يمينه سبعة أبواب وعلى يساره سبعة ، أما الحائط الشمالي فكان يحوي خمسة عشر بابًا ، والأحد عشر باب الأخرى في الحائط الشرقي .

وقد انتصب فوق المحراب قبة خشبية والأعمدة من الحجر الرخام ، وبلع طول المسجد 103مترًا وعرضه 69مترًا ، وتعرض المسجد لزلزال عنيف في مطلع القرن الثالث الهجري فأمر الخليفة المأمون أمراء الأطراف ، كل منهم ببناء رواق المسجد على نفقته فتم ذلك عام 210هـ ، ثم تضرر المسجد من زلازل عام 424هـ وجاء الدور الفاطمي وفتم تجديد المسجد للمرة الخامسة تم تصغير مساح المسجد مع احتفاظه بنفس النمط المعماري الذي بناه الخليفة المهدي .

بعد ذلك مع الحملات الصليبية تعرض المسجد لكثير من السلب والنهب ولم يبقى إلا الهيكل العام من سبعة أروقة عمودية على القبلة وجوف بيت الصلاة الذي يتكون من 11 صفًا والرواق الأوسط ومساحته ضعف مساحة بقية الأروقة ، ولقى المسجد اهتمامًا كبيرًا في ظل العهد المملوكي والعثماني ، وبذل العثمانيون جهدًا كبيرًا في تجميله ويرجع الفضل لهم بالشكل البديع للمسجد ، حتى دنسه اليهود بعد احتلال القدس واعملوا التخريب فيه ودمروا أجزاء من البناء القديم .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *